متاهة راشد آل خليفة الجمالية على طريق الفنون المعاصرة

الفنان التشكيلي الشيخ راشد آل خليفة يخلق في معرضه معادلة متوازنة طرفاها الجمال والفكر، فالشيء الجميل الذي نراه لا يخفي قدرته على إثارة أفكارنا.
السبت 2018/10/06
لوحات تتبدل أشكالها وألوانها حسب زاوية النظر

لندن- يُقام الآن في قاعة “ساتشي” بلندن معرض شخصي للفنان البحريني الشيخ راشد آل خليفة، وهو معرض استثنائي يمكن النظر إليه باعتباره تجسيدا لقطيعة مزدوجة، من خلالها ينهي الفنان علاقته بالرسم إضافة إلى أنها تفتح الآفاق أمام ممارسة فنية سيكون في إمكانها أن تنتقل بنا بثقة واطمئنان إلى عصر ما بعد الحداثة.

هنا يبدو الفنان كما لو أنه لم يُنتزع مجبرا من خياراته الجمالية، إنه يفعل ما يريد بمحض إرادته، فهذا الفنان الذي سبق لي وأن لقبته بماتيس الرسم العربي بسبب رقة رسومه وقوة خطوطه صار يميل إلى اختبار مزاجه الجمالي في مناطق لا يمر بها الرسم.

هي مناطق يمكن أن يجربها النظر واقعيا، غير أنها تتخطاه إلى الحواس الأخرى، فهي تُسمع وتُلمس وتُشم إضافة إلى أنها تُرى، لقد صنع آل خليفة متاهة هي عبارة عن غابة، يُمكن الإنصات إلى حفيف أوراق أشجارها كما لو أنه نشيد قادم من زمن لا يزال يقف في انتظارنا.

آل خليفة يعدنا بزمنه الخاص، هناك حيث تمتزج الرغبة بالخلاص بمفردات العيش المباشر، ومن خلالهما يمتزج الجمال بالفكرة، لا تخفيه ولا يناقضها، وهو ما يهب هذا المعرض الاستثنائي أهمية تاريخية، كونه يعيد إلى الجمال اعتباره، بعد أن تم إهماله من قبل أجيال من الفنانين.

آل خليفة في معرضه الحالي يخلق معادلة متوازنة، طرفاها الجمال والفكر، فالشيء الجميل الذي نراه لا يخفي قدرته على إثارة أفكارنا ودفعنا إلى البحث عن المعاني التي تختبئ في أعماقه.

هذه المزاوجة النادرة بين الفكرة العميقة والشيء الجميل، هي نتاج جهد استمر لأكثر من عشر سنوات بذله آل خليفة وهو يسعى إلى تطوير وتعميق علاقته بما يشهده الفن المعاصر في العالم من تحولات جذرية.

آل خليفة يجسد في معرضه قطيعة مزدوجة، قطيعته مع الرسم لينتقل بثقة واطمئنان إلى عصر ما بعد الحداثة

ولقد استند في مسعاه إلى فهم جوهري لأصول فن الأوب آرت (فن الخداع البصري) العربية، وفي مقدمة تلك الأصول يقف التكرار الإيقاعي المستلهم من فني الخط والزخرفة، حيث تطوي المفردة المكررة الإيقاع الخفي للأشياء بجناحيها.

ويضم المعرض عشرة أعمال بين لوحات تمس الجدران بخفة وأعمال تركيبية تبدو كما لو أنها على وشك التحليق، والأعمال التركيبية هي عبارة عن متاهات، تحتل إحداها قاعة عرض بأكملها، يدخل المرء إليها فيضيع وسط الأصوات الخفيضة التي تطلقها جدران الدروب التي صنعت من أوراق معدنية صغيرة ملونة.

عالم تهبه الأضواء والمرايا حيوات متداخلة، هي تعبير عن تداخل عالمي النوم واليقظة، فلا يدري المرء وهو يخترقها هل هو مَن يحلم أم أن هناك مَن يراه في أحلامه التي تظهر في المرايا؟

هناك الكثير من الأوهام البصرية التي يستعيرها راشد آل خليفة من امتزاج الوهم بالحقيقة، فاللوحات على سبيل المثال تتبدل أشكالها وألوانها حسب زاوية النظر، إنها ليست هي دائما، وهي فكرة عن العالم الذي يتطلع إليه الغريب بعينين مندهشتين.

فالمتاهة بالنسبة للفنان البحريني، هي العالم وقد انكشف على معانيه الداخلية بعد أن تخلى عن صورته التي يخفي تحت بشرتها حقيقته، وهناك شيء من الشعور بالضياع الذي يعيشه الإنسان المعاصر وسط حيرته، وهو يقف في مواجهة التحولات المستمرة التي تنطوي عليها مسيرته.

والفنان البحريني راشد آل خليفة الفنان الذي درس الفن في جامعة برايتون ببريطانيا، ولد عام 1952 وأقام معرضه الشخصي الأول عام 1970، كما ترأس جمعية البحرين للفنون التشكيلية منذ تأسيسها عام 1983، وهو اليوم رئيسها الفخري، وأقام أكثر من عشرة معارض في بلاده وخارجها.

13