متاهة مريم

تفكر مريم في سعادة مواطنيها الراحلين، تعتقد أن إلهام الغياب سيصنع رحلة عبر الزمن. هذه ليست بيوت.. هي مزارات يمكن أن يتخيّل المرء من خلالها عوالم ذهبت إلى خفائها.
الاثنين 2019/05/13
مريم الزدجالية قد خطّطت للتنقيب في تاريخ عُمان

وقفت تحت شجرتها، قالت “يمكنها أن تكون عملا فنيا معاصرا”، تلك واحدة من مفردات قريتها المهجورة التي عثرت عليها في حمى بحثها عن مكان سحري تقيم فيه مشروعها الخيالي.

يمكن للمرء أن يكتب رواية عن تلك القرية تكون شبيهة بروايات الواقعية السحرية، القرية المهجورة تستسلم لخيال شجرتها التي تبدو كما لو أنها خلاصة لعصور هي عبارة عن سطوح متراكمة من الذكريات.

أعتقد أن مريم الزدجالية قد خطّطت للتنقيب في تاريخ عُمان من خلال الصورة لا من خلال الكلمة، وهي هنا تتبع أثرا خالدا، من شأنه أن يشعل النار في العيون والعواطف في القلوب.

أمشي برفقتها وأنا أشعر أن هناك مَن يراقبنا ويشم رائحتنا ويقتفي آثار أقدامنا، هناك مَن يتلصّص علينا، وهو ما يبعث الطمأنينة في قلب مريم التي تحلم بأن تبعث الروح في جسد المكان من خلال التغلغل في أحلام أهله المهاجرين.

“الحجارة تنطق”، تقول وهي تتلمس طريقها بين دروب المتاهة العصية على الوصف باعتبارها نوعا من ترجمة الماضي بلغة الحاضر، من شدة التواء تلك الدروب يمكنك أن تسمع صوت رفيقك ولا تراه بالرغم من أنه يقف قريبا منك.

“إنها ليست مسرحا للحكاية.. هي وحدها حكاية”، تقول مريم وهي تطوي صفحة لتفتح صفحة أخرى، حكاية تدور حول نفسها مثل بيت الحلزون، مثل كوكب بعيد، يصل نوره بعد غيابه.

“الغائبون يحضرون معنا حين نسعى إلى استرجاع ذكرياتهم”، يا لها من مهنة شاقة، لن نزيح حجرا من مكانه، فالأحجار تصنع إيقاعها من خلال تماسكها.

لا يمكنك أن تزيل جدارا وإلاّ انهدمت القرية كلها، فالبيوت يسند بعضها البعض الآخر، ألا تُقلقين يا مريم الأرواح؟ “بالعكس أنا أجلب إليها ما يسعدها”، تفكر مريم في سعادة مواطنيها الراحلين، تعتقد أن إلهام الغياب سيصنع رحلة عبر الزمن. هذه ليست بيوت.. هي مزارات يمكن أن يتخيّل المرء من خلالها عوالم ذهبت إلى خفائها تاركة جمال صنيعها.

16