متحف الأجنة في مصر.. مئة عام من الحقائق والعينات الصادمة

متحف الدكتور نجيب باشا محفوظ في مصر يعد أكبر مستودع لعينات أمراض النساء في الشرق الأوسط إلا أنه كان مغلقا ومعزولا بمقتنياته لعقود طويلة.
السبت 2018/05/19
عينات من تاريخ تشوهات الأجنة

القاهرة - اعتاد المصريون وجود بعض الأماكن الحيوية التي يؤشّر عليها بكلمة “سرية”. ويعد متحف الدكتور نجيب باشا محفوظ (1882-1974) أحد هذه الأماكن. ورغم أنه أكبر مستودع لعينات أمراض النساء في الشرق الأوسط، وطبعت نماذجه في ثلاثة مجلدات في بريطانيا عام 1947، إلا أنه كان مغلقا ومعزولا بمقتنياته لعقود طويلة، يسمع عنه طلاب وأساتذة الطب دون أن تتاح لأغلبهم زيارته أو معرفة الكثير عن محتوياته التي تمثل قيمة علمية كبيرة.

وحتى الآن، ليس من السهل الدخول إليه، فهو محاط بكل ما يشجع على تجاهله من دواع أمنية، وتعقيدات بيروقراطية، وضرورة الحصول على تصاريح وموافقات كتابية من أشخاص بعينهم قد يصعب الوصول إليهم.

تحرر المتحف الذي يقع داخل قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى القصر العيني (وسط القاهرة)، من عزلته جزئيا وتم افتتاحه مؤخرا.

 

هل يجب أن نتوقف عن توثيق الحقائق العلمية إذا كانت صادمة أو لا تقبلها مجتمعاتنا المحافظة؟ لا يتوقف العلم عند الحواجز التي تعرقل الحقيقة العلمية التي يتطور من خلالها الإنسان، فمثلا الكشف عن الاكتشافات الطبية يثير الاشمئزاز لدى المحافظين وخاصة في ما يتعلق بالأمراض النسائية والولادة وأمراض الأجنة. الدكتور المصري نجيب باشا محفوظ اختار أن يكون طبيبا نساء في مجتمع تلد فيه النساء عند “الداية” وقد وثّق خلال مسيرته العلمية بعض الأمراض والتشوهات الخلقية التي تعرضت لها الأجنة، وهي حالات مرضية يراها البعض صادمة، لكن العلم أثبت أنها موجودة وصارت بذلك حقائق علمية لا يطالها الشك.

يشير رامي رياض، استشاري النساء والتوليد، إلى أن المتحف الطبي كان جزءا من دراسته، لكنه لا يعلم عنه سوى أنه متحف “النساء والتوليد”، ولم تسنح له فرصة لزيارته، فهو محاط بالسرية أو ما يعرف بـ”المعلوم المجهول”.

وأرجع سبب إهماله إلى التطور التكنولوجي وسهولة الحصول على المعلومات، لكن ظهرت في الآونة الأخيرة حاجة إلى معرفة أصل التشوه، فرؤية العينات على أرض الواقع تتيح للطالب والأطباء معا التعرف على حالات نادرة جدا قد تواجههم أثناء ممارسة عملهم ولم يتعرضوا لها على مدار تاريخهم المهني، لأنها في مراحلها النهائية، مثل جنين مشوه أو أورام سرطانية متشعبة.

وقال رياض لـ”العرب” إن المتحف سيقوم بدور مهم، لأنه يوضح للطبيب مراحل تطور الجنين الذي أصيب بتشوه خِلقي، فيتعرف عليه مبكرا عند فحص السونار، ويتجنب ولادة الطفل لأن مصيره سيكون الوفاة بعد الولادة، ويمثل إضافة لعلماء الأنسجة، فالعينات المشوهة تم جمعها قبل ظهور المضادات الحيوية ووصل المرض فيها إلى مرحلة متقدمة.

الأصل والفرع

مؤسس المتحف “السري” اسمه نجيب محفوظ، وقد سمّي بهذا الاسم الأديب المصري الحاصل على جائزة نوبل (نجيب محفوظ). ولبادرة هذه التسمية قصة طريفة، فوالدة محفوظ الأديب عانت كثيرا أثناء ولادته عام 1911، ولم يحقق طب النساء والتوليد انتشارا واسعا في ذلك الوقت، وكان الاعتماد الأكبر على الدايات (القابلات).

عندما زادت خطورة الوضع على الأم والجنين، لم يجد الوالد بدا من الاستعانة بطبيب التوليد المصري الوحيد المعروف وهو نجيب محفوظ الذي اعتاد أن يجوب محافظات مصر ليقدم الخدمة لمن تحتاج إليها من السيدات مجانا. وبالفعل نجح الطبيب المصري في صنع المعجزة بالحفاظ على حياة الأم والطفل معا، ما دفع الأب إلى رد الجميل بإطلاق اسمه الثنائي على الوليد ليحمل اسم نجيب محفوظ.

وأوضح محمد ممتاز، رئيس أقسام النساء والتوليد بطب قصر العيني، أن المتحف يعرض أربع مئة عينة من 1300 عينة طبية نادرة وقديمة تعبر عن قرن سابق من الولادات والأمراض المختلفة الخاصة بالنساء وعن تاريخ من تشوهات الأجنة. وأضاف لـ”العرب” أن الدكتور محفوظ عرض هذه النماذج عام 1929 في أحد المؤتمرات، فنصحه الكثير من العلماء بتخصيص حجرة لحفظها حتى تكون نواة لمتحف أمراض النساء والولادة.

في سنة 1930 قدم المتحف هدية إلى مدرسة الطب التي باتت كلية تابعة لجامعة القاهرة، وبذل جهدا في وصف العينات وصفا دقيقا، وجعل وصف كل نموذج في إطار زجاجي بجانبه وأخذ من الأورام قطعا ميكروسكوبية، ثم أعدّ دليلا للمتحف نشرته الكلية.

لذلك تواصل رئيس قسم النساء مع أحفاد الطبيب الرائد لإحياء المتحف، فرحبوا بالفكرة وقدموا الدعم المادي لتنفيذها ليظهر في صورة مشرفة ولائقة بمكانته العلمية.

المتحف هو الوحيد من نوعه في الشرق الأوسط، يماثله فقط متحفان، أحدهما في إنكلترا والآخر في هولندا، ويتضمنان عينات نادرة تخصّ مختلف التخصصات المرضية، وليس أمراض النساء فقط.

استبعد الطبيب محمد ممتاز أن تنضم إلى المتحف عينات حديثة، لأنه مع تقدم العلم يتم اكتشاف الأجنة المشوهة من بداية تكونها ولا تصل إلى المرحلة المعروضة بالمتحف، هذا بالإضافة إلى أن الكثير من الأهالي يرفضون عرض أجنتهم المتوفين في متحف. والعمل الذي قام به محفوظ كان عظيما، واستطاع الحصول على هذه العينات المعروضة في المتحف قبل عقود طويلة.

الخبرة من البحوث العلمية و"الداية"
الخبرة من البحوث العلمية و"الداية"

صدمة بصرية

تتصدر واجهةَ المتحف عبارةٌ تلخص فلسفة نجيب باشا محفوظ في الحياة، تقول هذه العبارة “إذا لم تكن أعطيت الناس نفسك، فأنت لم تعطهم شيئا”، وفي الداخل تمثال له وعلى اليسار صور لمراحل مختلفة من حياته، وقاعة محاضرات صغيرة وجهاز لعرض الأفلام التسجيلية وصور العينات.

وأكد كريم الشابوري، مصمم المتحف، أنه لأول مرة يقوم بالعمل على إنجاز تصميم لمتحف طبي، لهذا احتاج في البداية إلى فهم نشأة المتحف وتاريخه حتى تتم مراعاة ذلك في التصميم الذي يتضمن رؤية جديدة لمساحة المتحف، وسبل العرض والإضاءة، والأرشفة الرقمية لجميع المحتويات.

وقسم المتحف إلى ثلاثة أقسام، الأول للولادة الطبيعية والمتعسرة وأمراض النساء والحوامل، والثاني لتشريح الأعضاء الحوضية في حالتي الصحة والمرض، والثالث خاص بالأجنة المشوهة، ويشمل الأحوال الشاذة المعروفة حتى اليوم.

تم وضع بعض الأدوات التي تستخدم في التوليد قبل 100 عام، بداية من “البانيو” أو المسبح الصغير في المنزل الذي يوضع فيه الطفل، ويعود إلى عام 1890 وصولا إلى الكرسي الذي تجلس عليه الأم، وكان ينتقل به الطبيب من منزل إلى آخر وتجلس عليه للولادة.

هناك رسومات بـ”الطباشير” الأسود لنيكولاس ستريكالوفسكي، المعروف بأنه “فنان كلية الطب” في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، تشرح أمراض النساء والولادة؛ من التشوهات الخلقية للأعضاء التناسلية الأنثوية إلى أمراض الرحم والمبيض، والمراحل الأولى للحمل والتشوهات الخلقية للأجنة.

يسبب الانتقال إلى الردهة المقابلة لتلك الرسومات صدمة بصرية، فهناك عينات كثيرة، تلوِّح في الفراغ الكيميائي داخل أواني زجاجية موزعة يمينا ويسارا، مبتورة من أجنة بشرية حقيقية بها تشوهات خلقية جسيمة، وأخرى غير مكتملة الأعضاء في شكل أقرب إلى التحنيط، وثمة أيضا الكثير من العينات الطبية النادرة التي لا تتكرر سوى مرة واحدة خلال عقود طويلة.

كل عينة معروضة في المتحف تحمل اسما موحيا، ما يضفي على المكان حميمية يشعر بها كل من يزوره، مثل “راصد الكواكب”، كأن اتجاه العين إلى أعلی مرتبط بوضع تأملي أو أن التشوه علامة على قدر أو هواية مراقبة النجوم.

وهناك جنين ذو شفة أرنبية مزدوجة، ويوجد “أحلى واحد”، وهو طفل جميل مات مخنوقا حيث اِلتف الحبل السري حول رقبته أثناء عملية الولادة.

لا توجد حالة حديثة غير “حورية البحر”، وهي عبارة عن جنين ملتحم الأرجل لتشبه ذيل السمكة، وقد استطاع الطبيب إقناع والديه بالاحتفاظ به لأنه يمثل حالة نادرة ويوجد منها في العالم 300 فقط على مدار المئة عام الماضية.

أحمد المناوي، أستاذ طب النساء والتوليد بجامعة القاهرة، جعل من المكان أول متحف تفاعلي في مصر، وحوّله من مجرد متحف يوثق للتاريخ إلى متحف يصبو للمستقبل ويتفاعل معه ويشجع على البحث والتطوير من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة.

ويحمل كل إناء معروض “نظام استجابة سريعة” تمكن الزائر من وضع هاتفه المحمول عليه لتظهر له كل المعلومات عن العينة وتشخيصها وكيفية إجراء العمليات بشأن هذا المرض بحيث لا يحتاج الطالب إلى كتاب يرشده إلى محتويات المتحف كما كان من قبل. كذلك ثمة موقع إلكتروني للمتحف يتيح للزوار القيام برحلة بين العينات وكأنهم داخل المكان بالفعل، وتوجد صور وتفاصيل عن كل العينات الموجودة بالمتحف.

مكتب بسيط لباحث جريء
مكتب بسيط لباحث جريء

بين معروضات المتحف كتابات للدكتور نجيب محفوظ، يكشف فيها الكثير عن تفاصيل الحياة والعلاقات الاجتماعية في مصر قبل 100 عام، منها سبب تخصصه في التوليد بعدما شهد عملية ولادة عسيرة في الإسكندرية عام 1903.

خلال تلك الجراحة التي كان محفوظ مساعدا فيها وضع الطبيب “الجفت” لشفط الجنين إلى الخارج، لكن محاولة جذب الرأس استمرت ساعتين بلا جدوى، وبحث عن قدمه وجذبها، ليخرج جسم الجنين دون الرأس.

بعدها اتفق الأطباء على إرسال السيدة إلى المستشفى الحكومي، وماتت وفي بطنها رأس الجنين، سألهم محفوظ عن سبب عدم استدعاء طبيب متخصص في الولادة، فأجابوا بأنه ليس بين أطباء الإسكندرية اختصاصي في التوليد.

وقفت الثقافة الشعبية في العالم القديم حائلا أمام ذلك، ولم يكن من المقبول أن تلد المرأة على يد طبيب وكانت “الداية” أو القابلة وقتها السبيل الأول والأخير لنساء مصر.

لم يقف الطبيب الشاب مكتوف الأيدي عند تلك التقاليد، وبدأ يعرض خدماته مجانا دون مقابل، وتعرف على عدد من “الدايات” وكان يذهب معهن في حالات الولادة، وأصبح على تواصل مع عدد كبير منهن ليكتشف العديد من الحالات الغريبة.

وروى محفوظ قصة بالغة الدلالة عن سيدة “مخنثة” قبل أن تنتشر قصص المخنثين وتظهر جمعيات في أماكن متفرقة حول العالم تدافع عن حقوقهم.

عاشت المريضة التي لها رسومات في المتحف حياتها كأنثى، لكنها قَدِمت للعلاج لعدم وجود فتحة مهبلية، وبعد الفحص تأكد له أنها ذكر في صورة أنثى، ووجد خصيتين ضامرتين في بطنها ولم يعثر على أثر لمبيض.

يلفت الانتباه في ذلك الوقت إلى أن محفوظ الذي لم يقدم معلومات عن السيدة وظروفها الاجتماعية والشخصية، قرر أن يتدخل جراحيا واستأصل خصيتيها كما صنع لها فتحة مهبلية باستخدام قطاع من الأمعاء. القصص التي يحويها المتحف كثيرة، منها قصة إدخال عمليات الولادة المتعسرة في القصر العيني لأول مرة، حيث رد مستر مادن الإنكليزي رئيس القسم وقتها، بأن المصريين لا يحبون أن يُدخلوا نساءهم مستشفى يعمل فيه طلبة وأطباء من الرجال لإجراء هذه العمليات، لكن محفوظ تحداه معتمدا على ثقة المجتمع بقدراته كطبيب ونجح في تبديد الفكرة بجذب العديد من المصريات لإجراء الولادة في قصر العيني.

عويس أميّ مختص

يروي محفوظ في كتابه “حياة طبيب” الذي صدر في ستينات القرن الماضي، فيقول إنه كلف بإلقاء محاضرات إكلينيكية لطلبة الطب في أمراض النساء والولادة ومدرسة الحكيمات، “حين شرعت في إلقاء محاضراتي على الطلبة أعوزتني النماذج التي تمثل أمراض النساء ومعاطب الولادة، فليس منها في متحف المدرسة شيء وهذه النماذج ضرورية للإيضاح، فلم أجد بدا من تزويد المدرسة بنماذج قمت بعملها في عيادتي الخاصة”.

واشترى الطبيب 350 وعاء زجاجيا من فرنسا لإيداعها العينات وحصل من خارج مصر على الأملاح اللازمة لعمل المحاليل التي تحفظ تلك العينات، وبعد بضع سنين من عمل متواصل قام بتحضير 300 عينة أودعها في حجرة خالية بالمدرسة.

لم يخل العالم من تعبير “اللمسة المصرية” الذي يعني به من يطلقونه التطوع بعمل أشياء دون فهمها بشكل كاف، تلك اللمسة كانت حاضرة قبل مئة عام لتفسد عمل نجيب محفوظ الطبيب في أثناء وجوده في أوروبا صيفا، وخطر لأحد المساعدين في قسم الباثولوجي أن يخدم الطبيب باستبدال المحاليل الفرنسية بسائل آخر اكتشفه هو، ليجد محفوظ بعد عودته أن العينات قد فسدت ليبدأ المشوار من جديد.

في حين قام دارس الطب بإفساد عينات محفوظ منذ عقود، حافظ على العينات الجديدة “أمي” لم يتلق تعليما بالمدارس ولا يعرف الكتابة والقراءة، إلا أنه تعلم حفظ الأجنة خلال قيامه بمهنته في تنظيف المعامل، فكان يختبئ بين الدواليب ليراقب الأطباء، وتمت ترقيته من مهنة عامل نظافة إلى أمين مخزن ومساعد في تجهيز محاليل.

لم يفارق حنفي عويس الأجنة لما يقرب الأربعين عاما، إلى درجة أنه كان لا يريد الذهاب إلى منزله كي لا يتركها.

عندما علم عويس بتجديد المتحف وإعادة افتتاحه، أخرج الأجنة من الأواني الزجاجية وتعامل معها كأموات فقام بتغسيلها عن طريق فرشاة خشنة أزالت عنها السواد وأظهرت بعض الأمراض كبقع بيضاء على جلد أحدها لأنه مصاب بالسكر.

وكان يقول “تحنيط النماذج عملية صعبة، فهي تحضير للأبدية أو أقرب إليها، تحتاج إلى خبرة ودراية بالمحاليل وخصائصها الكيميائية والمقادير المناسبة، وإن اختلت فسدت العينة وتحللت”.

تصوير: محمد حسنين

17