متحف السكك الحديدية المصري تاريخ عريق بلا جمهور

لا أحد يكترث بمقتنيات تروي حركة النقل عبر العصور في متحف السكك الحديدية وسط القاهرة، والإعلام ينقذ المتاحف والمواقع الأثرية من الجمود.
الاثنين 2018/04/23
قطارات الزمن الماضي في مخزن النسيان

القاهرة - يبلغ عدد المتاحف في محافظتي القاهرة والجيزة 40 متحفا، لكنّ هناك عزوفا واضحا من شرائح المجتمع بطبقاته المختلفة عن زيارتها، وثمة من لا يعرف عنها غير اسمها، وآخرون لم يسمعوا عنها من قبل.

ظهر ذلك جليّا مؤخرا، عندما قرر رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية لسكك حديد مصر فتح أبواب متحف السكك الحديدية بمحطة رمسيس (وسط القاهرة) مجانا للجمهور لمدة يوم، بمناسبة مرور عامين على افتتاحه بعد تطويره، ولكن بقي المتحف خاليا بلا زوار.

تطوير المتحف الذي بلغت تكلفته عشرة ملايين جنيه (570 ألف دولار) واستخدامه لأحدث أساليب العرض المتحفي للمقتنيات النادرة من وسائل النقل، وتوسّطه للعاصمة القاهرة، بالإضافة إلى المجانية، كل ذلك لم يكن حافزا للمواطنين على زيارته.

أكد محمد إبراهيم (عامل بالمتحف)، لـ”العرب”، أن المتحف يعتبر أحد المعالم التاريخية الشاهدة على تطوّر أدوات النقل منذ القدم، مرورا بالعصور الوسطى وصولا للعصور الحديثة، وبدأ تشييده في أكتوبر عام 1932. ويحتوي على قطع أثرية تحكي تاريخ أقدم خطوط سكك حديدية في الشرق الأوسط، ويعتبر الثاني من نوعه على مستوى العالم، بعد متحف “يورك” في بريطانيا.

أصبح المتحف القابع في طابقين مهجورا، ويكاد أن يتحول إلى مخزن، ولم تفلح جهود المسؤولين في جذب الجماهير لزيارته، فالإقبال عليه ضعيف جدا، رغم رمزية أسعار الدخول، وهي أقل من نصف دولار للمواطنين المصريين وما يقرب من ثلاثة دولارات للأجانب.

 

رغم أن عدد المتاحف في مصر يبلغ 72 متحفا، موزعة على 19 محافظة من أصل 27، إلا أن نسبة إشغال الزائرين لا تزيد عن 10 بالمئة. ويأتي متحف السكك الحديدية، ثاني أقدم متحف للمواصلات في العالم، ضمن تلك القائمة الطويلة التي تفتقد لجمهورها اليومي، وكادت أن تتحول لمخازن ويصبح جمهورها من خيام العناكب

مواطنون كثر لم يسمعوا عن المتحف، بالرغم من مرورهم يوميا أمامه، وهناك من يدخله ليس لمشاهدة القطع المعروضة، لكن للاحتماء من لفحات الشمس والاستمتاع بالنسمات الباردة المنبعثة من مبردات الهواء لحين موعد مجيء القطار الذي يقلّهم إلى الجهة التي يريدونها، وحتى الزيارات المدرسية باتت أعدادها محدودة، ويبدو التململ من المكان بمجرد دخوله وكأن الزيارة تتم بصورة إجبارية.

التقت “العرب” مديرة المتحف ناهد الخطيب، التي أكدت أنه لم يكن غياب الزوار الشيء الوحيد، لكن غاب اهتمام الإعلام أيضا.

وأوضحت، لـ”العرب”، أن المكان يضمّ مكتبة تشمل ما يقرب من 500 نموذج وكتاب عن الحركة التاريخية والفنية للنقل والسكك الحديدية ومجسّمات ناطقة بتلك المراحل وعدد من الوثائق أهمها النص الأصلي للعقد الذي وقّعه الخديوي عباس الأول عام 1851 مع روبرت ستيفنسون نجل مخترع القاطرة البخارية، لإنشاء أول خط سكك حديدية يربط بين القاهرة والإسكندرية.

وأشارت، إلى المقتنيات النادرة كمعروضات النقل والمواصلات في عهد قدماء المصريين، وصورة فريدة معلقة على الجدران لأحد الأمراء الفراعنة، يدعى (أرخو) يركب المحفة المحمولة على حمارين.

كل ركن يروي حكاية مختلفة وقصصا من الماضي، هناك نموذج لأول قاطرة دخلت مصر قام بصناعتها ستيفنسون وشركاؤه في بريطانيا، بناء على طلب من الحكومة المصرية في ذلك الوقت، وتم استخدام القاطرة الأصلية 1854عند افتتاح أول خط للسكك الحديدية، واقتصر استخدامها على نقل الركاب.

يعرض المتحف نموذجا لقطار كان يستخدمه الخديوي إسماعيل صنع خصيصا له في مدينة نيوكاسل بإنكلترا سنة 1859، وتم تزيينه بنقوش فرعونية بديعة، ويتكون من أربع عربات وثمة زورق من البردي وتمثال يصل وزنه 60 طن يتم نقله على زحافة خشب وتشده مجموعات من البشر.

يلفت النظر نماذج صور للدواب التي كانت تستخدم قبل إنشاء السكك الحديدية وبعدها، وهناك الذهبية (وسيلة نقل بحرية تعتمد على الشراع والدفة وتشبه المراكب الحديثة) التي تعد من أرقى وسائل النقل أيام الأسرة الخامسة (عام 2500 قبل الميلاد).

توجد أيضا لوحات ونماذج مجسمة لستّ محطات في مصر، وقسم خاص بالجسور المتحركة والثابتة، يضم الإشارات منذ أن كانت يدوية، ويسرد مراحل تطور طباعة التذكرة وتدرج أسعارها والأدوات المستخدمة في ذلك.

تم ربط قاعات المتحف بشبكة مراقبة مت سمر إسماعيل (موظفة بمركز البحوث)،أكدت أنها لم تدخله من قبل، ولن تعقد النية بعد في زيارته. وأشارت، سمر، لـ”العرب”، إلى أنها لا تذهب إلى أي مكان دون أبنائها، وعندما سألت علمت أن المتحف غير مجهز بأماكن استراحة بعد التجول في مساحته الشاسعة، إضافة إلى قلة أو عدم وجود دورات مياه، ولا يوجد مكان مخصص لتقديم وجبات أو مشروبات لأطفالها، وأنهت حديثها بأنّ الأفضل أن يذهبوا إلى الملاهي وليس المتاحف.

وثائق ونصوص تؤرخ لنشأة تأسيس السكك الحديدية
وثائق ونصوص تؤرخ لنشأة تأسيس السكك الحديدية

وأشار عيد مهران، موظف سابق في قطاع المتاحف، إلى أن عدم اهتمام الشعب بتاريخه، أخطر من عدم زيارة المتاحف، وإذا أمكن إثارة انتباهه إلى أهمية ذلك سيكون من السهل عليه فهم محتويات المتحف، ويرغب في العودة مرة أخرى. وأوضح، لـ”العرب”، أنّ متحف السكك الحديدية ليس الوحيد الذي يهجره المواطن المصري. هناك تسعة متاحف في القاهرة على الأقل يبدو الإقبال عليها ضعيفا، إن لم يكن معدوما.

وأرجع مهران مسؤولية عزلة المتاحف إلى كونها تتبع وزارات متفرّقة، فلا يوجد قطاع واحد مسؤول عن تطويرها وتسويقها بشكل احترافي، بالرغم من أن ذلك لن يكلّف الدولة كثيرا.

وقال “منشور واحد بتكلفة بسيطة على مواقع التواصل الاجتماعي سيصل إلى الملايين من الأشخاص، دون أن تتحمّل موازنة الدولة نفقات حملات ترويجية بالفضائيات والصحافة والطرق، لكن ما يحدث بالفعل أنهم ينفرون الجمهور بواسطة ما يبثّون من صور رديئة عشوائية بكاميرات الهواتف المحمولة”.

ويرى، أن الكثير من المتاحف تتبع وسائل غير جذابة وأغلبها تتبع أساليب قديمة في العرض ولا يوجد مرشدون لشرح المعروضات للزائرين.

وترى مروة شوقي، مرشدة سياحية، أن ضعف الإعلام السياحي وتوفير معلومات عن المتاحف للناس أدى إلى أن غالبيتهم لا يعرفون إلا المتحف المصري بميدان التحرير (وسط القاهرة)، أمّا بقية المتاحف فهي إما مهجورة وإمّا مقصورة على زوّار الكليات والهيئة التعليمية، إمّا تغلق أبوابها الساعة الثانية بعد الظهر لتكون غير متاحة للزيارة في فترة ما بعد الدوام الرسمي للعاملين.

وقالت، شوقي، لـ”العرب، إن المصريين لا يرون أن المتحف كمؤسسات ثقافية علمية تربط المجتمع بتاريخه وإرثه، فلديهم ثروة متحفية لكنها مهجورة ومهملة.

هناك تدن في نسبة البرامج التي تتناول المتاحف الموجودة في مصر، خاصة برامج “توك شو” الليلية، وليس من المفهوم لماذا لا تخصص حلقة واحدة على مدار الشهر يتم إذاعتها من متاحف متنوعة للترويج لها؟

وذكرت أن هناك مشكلة تواجهها أثناء اصطحابها لوفد، وهي منع التصوير داخل المتاحف، مؤكدة أنه عامل طرد للزوار، فمطالبة المواطن بالحصول على تصاريح من جهات متعددة كي يصور، تجعله يكره العودة مرة أخرى إلى المكان، في حين يعدّ التصوير ترويجا للمكان، وإذا التقط الزائر صورا للآثار في المتحف ونشرها على فيسبوك، سيزيد حجم الإقبال عليه.

يرى خبراء، أن علاقة المتاحف مع القطع الأثرية مهمة، لكن الأهم علاقته بالجمهور، ينبغي أن تنتقل من حالة الجمود إلى حالة الحراك، ويدرك أن المتحف ليس مجرد معروضات جامدة، بل هو يحفظ ويثمّن قيمة الماضي ويربط الأمس باليوم.

يقول، محمد الكاشف، الباحث في الآثار، إن زيارة المتاحف والمواقع الأثرية عند المصريين لم تتحوّل بعد إلى ثقافة عامة مترسّخة في حياتهم ونشاطهم، وتكون إحدى أولويات أجنداتهم السياحية والترفيهية. وتساءل الباحث كيف نطالب المواطن أن يهتم بشيء لم يعرفه أو تعامل معه من قبل؟

تصوير/ محمـد حسنين

20