متحف الفنّ الحديث والمعاصر التونسيّ: الولادة العسيرة!

لقد تناسى المشرفون على المتحف ما تحمله هذه المؤسسة من أمل للفنّانين بعرض أعمالهم والتعريف بالفنّ التشكيلي التونسيّ ورواده في الفنّ الحديث والمعاصر.
الخميس 2020/07/02
الرهان على أبناء القطاع

تونس - نشر وزير الشؤون الثقافيّة التونسيّ السابق محمّد زين العابدين، منذ أيام قليلة، تدوينة مطوّلة على صفحته الخاصة بفيسبوك، عبّر فيها برسالة استنكاريّة ولهجة متوترة عن غضبه الشديد من بعض التصريحات التي تداولها البعض، على لسان الوزيرة الحاليّة السيدة شيراز العتيري، في وسائل الإعلام التونسيّ والتي تنتقد أداءه أثناء تولّيه منصبه العزيز على قلبه.

واستهجن العديد من الإعلاميين والجامعيين منشور الوزير السابق الذي كتب تدوينته باللهجة التونسيّة مستهلّا كلامه بجملة ندائيّة ركيكة هي "يا شيراز العتيري!"، متحدّثا بإطناب عن السّمة الوحيدة التي حرص على فقدانها مع المثقفين وهي "الثّقة".

أعتقد فعلا أنّ تدوينته هذه ستكون سقطته الأخيرة في نظر المثقفين والجامعيين، وعلى حدّ قول جبران خليل جبران "كلّ شيء ممكن أن يكون له فرصة ثانية، إلاّ الثقة". أعتقد أيضا أنّ على الوزيرة الجديدة التفكير جيّدا في كسب الثّقة الفعليّة بدل كسب ولاءات زائفة لمنصبها.

في الحقيقة، لا أحاول اليوم الكتابة عن السياسيين أو المسؤولين، إذ لا يهم أمرهم، إنّني أحاول أن أكتب مادة حول الشعور بالانتماء إلى قطاع يتجاهله هؤلاء عن قصد، ألا وهو قطاع الفنون التشكيليّة.

تدوينته لاقت استهجان إعلاميين
تدوينته لاقت استهجان إعلاميين

لقد عمل البعض على تهجين هذا القطاع إلى الحدّ الذي لم نعد نجد مسؤولا واحدا متخصّصا في الفنون التشكيليّة بما في ذلك أهمّ إدارتين في القطاع هما إدارة الفنون التشكيليّة وإدارة المتحف الوطني للفنّ الحديث والمعاصر، وذلك عكس ما نجده في بقية القطاعات من موسيقى وسينما ومسرح وأدب.

وأنا هنا، لا أحاول الاستنقاص من عمل بعض الإداريين على رأس هذه المؤسسات، ولكن أعتقد أنّ اجتهادهم يفتقد إلى نقطتين أساسيتين هما: الحريّة والرؤية. إن غابت الأولى يمكن أن نكتفي بالثانية، بيد أنّ غياب الرؤية والمشروع معا يصبح معضلة يصعب التعامل معها من قبل الفنانين.

متى يُفتتح المتحف الوطني للفنّ الحديث والمعاصر؟

"قريبا" هي الإجابة الوحيدة التي تلقيتها شخصيّا على هذا السؤال البسيط لأكثر من مرّة من قبل معظم العاملين حاليا بإدارة المتحف. لم يقع الإعلان عن أيّة برمجة أو أيّ موعد رسميّ للافتتاح كما هو معمول به في جميع متاحف العالم. المضحك في الأمر، تلك الإجابة الممجوجة التي أجابني بها موظف مشرف على رواق تابع لإدارة المتحف "نحن نشتغل في سريّة تامة حسب التوصيات، إنّنا نخاف من العين والحسد!".

عبارة تنمّ على سلوك ارتجاليّ لا يؤمن بالتخطيط الجاد على المدى البعيد، بل يقوم على نوع من الشعوذة والاعتباطيّة والاستهتار بالإبداع والمبدعين. لقد تناسى المشرفون على المتحف ما تحمله هذه المؤسسة من أمل للفنّانين بعرض أعمالهم والتعريف بالفنّ التشكيلي التونسيّ ورواده في الفنّ الحديث والمعاصر.

تتساءل أحد صديقاتي الفنّانات بمرارة "هل يعقل إنشاء متحف بدون تواجد شخصيّة فنيّة اعتباريّة وضليعة بتاريخ الفن التشكيليّ التونسيّ على رأس هذه المؤسسة؟ لننظر إلى متاحف العالم وسنفهم ما يحصل داخل مؤسساتنا الثقافيّة من استهتار بالقطاع". يمتنع الأمين العام لاتحاد الفنّانين التشكيليين التونسيين عن الإدلاء بتصريح في الموضوع، قائلا باستهزاء "كيف لي أن أدلي بشهادة في شيء غير موجود أصلا؟". كما تَرَدَّد العديد من الفنّانين في التصريح بآرائهم وذكر أسمائهم خوفا من انتقام المشرفين، المتمثّل بمعاقبتهم من طرف لجان الدعم والمنح والشراءات أو إقصائهم عن المشاركة بالتظاهرات الفنيّة الكبرى.

بينما اعتبر بعض ممثلي الهيئات والهياكل الناشطة في الساحة التشكيليّة التونسيّة أنّ الحديث عن المتحف وقطاع الفنون التشكيليّة أمرا غير مجدٍ "فلا شيء سيتغيّر".

إتَّهَمَ مُدير المتحف السابق، الأستاذ في علوم وتقنيات الفنون والفنّان التشكيليّ التونسيّ سامي بن عامر، إدارة المتحف الحاليّ بالسطو على مشروع المتحف بما في ذلك شعار رواق "مقام" الذي وقع افتتاحه في معرض تكريمي للفنّان التونسي الراحل علي عيسى. إلتقيناه مؤخّرا للاستفسار حول مشروع المتحف الوطني وقد قدّم لنا شهادته التالية: 

Thumbnail

"شرعت رسميّا في الإعداد لافتتاح المتحف الوطني للفنّ الحديث والمعاصر منذ غرّة أوت 2018. كنت حريصا على توثيق كلّ تطوّرات انجاز المشروع الذي بَدأتُ فعليّا في رسم ملامحه منذ أوت 2017. يرتكز إنشاء المتاحف على مبدأ استقلاليّته الكليّة على المستوى الفكري والمادي، اكتشفت تدريجيّا أنّ هناك تصوّرا بيروقراطيّا خطيرا يشمل كامل مدينة الثقافة بما في ذلك مشروع المتحف. أثناء تدشين مدينة "الأشباح" (كما يسميها العديد من المثقفين) اغتنمت فرصة لقائي برئيس الحكومة واقترحت تمكين المتحف من استقلاليّة كاملة، وكان لي ذلك. تحوّلت حينها، دون قصد مني، إلى عدوّ للوزير السابق وأتباعه لأنني ببساطة كنت حاملا لمشروع وطني لا يرتبط بمخطّطاتهم. لاحقا توالدت عراقيل مقصودة منعتني من التقدّم في مشروع افتتاح المتحف وخاصة التمكّن من الرصيد الوطني للأعمال الفنيّة المقتناة من وزارة الشؤون الثقافيّة. ولا أخفي عنكم أنهم كانوا يدفعونني للاستقالة دفعا وبالتالي التخلي عن حلم لطالما راود فناني تونس.

أضاف أيضا أنّ "هناك العديد من المغالطات التي وقع نشرها وآخرها الحوار الذي أُجري مع مديرة المتحف الحاليّة التي يعتبرها الجميع دخيلة على القطاع. يحاولون إلغاء كل الجهود التي بذلت طوال سنتين، ومع ذلك يسمحون لأنفسهم بالسطو على المشروع الذي قدمته في مراسلات موثّقة ومنشورة. قمت سابقا بنشر مقال مطوّل مرفق بجميع الوثائق والمراسلات التي تثبت جريمة السطو على مشروع وشعار المتحف..." 

لا أزال أؤمن أنّ المؤسسات الكبرى تحتاج إلى إداريّين بارعين لتسييرها، لكن إذا ارتبطت تلك المؤسسات بالفنّ التشكيليّ فإنّها تحتاج لبلورة مشاريع وبرامج يعدّها مختصّون في المجال حتّى تحقّق ما أنشأت لأجله. وهنا استحضر تظاهرة المعرض الاستعاديّ للفنّان التشكيلي التونسي الكبير عبد العزيز القرجي والذي لاقى نجاحا جماهيريّا منقطع  النظير سنة 2019، حيث أشرف على تنظيمه فريق كامل مختص في الفنون التشكيليّة بإدارة أستاذة نظريّات الفنّ والفنّانة التونسيّة نادية الجلاصي.