متحف اللوفر في أبوظبي يفتح نافذة عربية على حضارة العالم

متحف اللوفر في أبوظبي مشروع ثقافي يعكس التلاقي والتحاور مع فنون مختلف حضارات العالم وفكّ حواجز الفنون لتضع الأمارات والمنطقة العربية على منصة الثقافة العالمية لتكسر الحدود الجغرافية، وتكون همزة وصل بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.
الخميس 2017/09/07
انتصار رسمي للثقافة والفنون

أبوظبي - يفتح متحف اللوفر أبوابه في أبوظبي في 11 نوفمبر القادم ، بحسب ما أعلنت عنه وزيرة الثقافة الفرنسية فرنسواز نيسين، في مؤتمر صحافي عقدته الأربعاء في العاصمة الإماراتية.

ومن المقرر أن يشارك الرئيس الفرنسي إيمانول ماكرون في افتتاح المتحف الذي صممه المهندس المعماري الفرنسي جان نوفيل على جزيرة السعديات التي تحفل بمؤسسات ثقافية عريقة تتسم بطابعها وحجمها المميزين.

وتهدف أبوظبي إلى تحويل جزيرة السعديات إلى وجهة سياحية عالمية المستوى مع المحافظة على بيئتها الطبيعية المميزة، وأن تكون منطقة ثقافية وعاصمة للفنون في المنطقة.

واعتبرت الوزيرة نيسين أن المتحف يشكل “ردنا المشترك في زمن تتعرض فيه الثقافة للاستهداف”.

وعبّرت عن فخر بلادها للمساهمة في إقامة المتحف من خلال توظيف خبرتها في مجال إدارة المتاحف وإعارة اللوفر أبوظبي أعمالا فنية من مجموعاتها الوطنية خلال العقود الثلاثة المقبلة.

من جهته قال وزير الثقافة الإماراتي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان “كما أن اللوفر يشكل جوهرة تتوج باريس، فإن اللوفر أبوظبي سيتمتع بهذه الميزة أيضا”.

وتأسس متحف اللوفر أبوظبي بناء على اتفاقية عقدت بين حكومتي دولة الإمارات العربية المتحدة والجمهورية الفرنسية في العام 2007، ليشكّل بذلك أول متحف عالمي في العالم العربي يعكس الانفتاح والحوار بين الثقافات.

واعتبارا من عام 2010 تم الشروع في ورشة العمل لبناء المتحف من تصميم المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل على جزيرة السعديات التي تضمّ أيضا متحف غوغنهايم من تصميم فرانك جيري.

ويعرض المتحف أعمالا فنية لها أهمية تاريخية وثقافية واجتماعية تنتمي إلى أقدم العصور وحتى الزمن المعاصر في قاعات عرض مختلفة، من ضمنها قاعة العرض الدائمة، كما سيتم تخصيص قاعة للمعارض المؤقتة وفق أعلى المعايير العالمية. يسلط المتحف الضوء على مختلف الحضارات في المساحات والمعارض ذاتها ليبيّن التأثيرات المشتركة للثقافة والمواضيع العالمية، ويعكس أوجه الشبه والاختلاف أثمرتها التجربة الإنسانية المشتركة التي تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ والأعراق.

حماية المقتنيات الفنية أمر حيوي

فن الهندسة المعمارية

العمارة العربية التقليدية كانت الملهم الأساسي الذي احتاجه المهندس جان نوفيل- الحائز على جائزة بريتزكير- لبناء هذا المتحف على البحر، حيث يجمع التصميم ما بين الثقافة التقليدية المحلية وتقنيات البناء الحديث في 55 مبنى منفصلا تقف جميعها تحت القبة الرئيسية، وكل مبنى مليء بمعارض مختلفة.

وتتمثل الميزة الأكثر جذبا للانتباه في قبة ضخمة مصنوعة من مادة الفولاذ والتي من شأنها أن تخلق تأثير “رذاذ من الضوء” على الزوّار المارّين تحت القبة.

وتستلهم قبة اللوفر أبوظبي المزينة بمُخرّمات هندسية شكلها من سعف النخيل المتداخلة التي كانت تستخدم في تغطية الأسقف، وذلك للسماح للضوء بالمرور عبرها وتكوين أشكال وألوان آية في الجمال.

وتخترق أشعة الشمس السقف المصنوع بالتشبيك أو ما يسمى بـ”لاتيسورك” لينعكس الضوء على الأسواق العربية التقليدية شبه المغطاة لتشكل ما أصبح يعرف بـ”شعاع النور”.

وتتكوّن القبة بالإجمال، التي تعدّ الجزء البارز الذي يميّز المتحف من بنية هيكلية تغلفها كسوة معدنية تتألف من 8 طبقات، 4 طبقات تحيطها من الخارج، و4 أخرى داخلية، لتحتوي هذه البنية بالإجمال على 7850 قطعة.

وتم وضع أول قطعة من الكسوة في يوليو 2014، وتتألف الكسوة الخارجية للقبة، والتي تم الانتهاء منها بعد الوصول إلى أكثر من 30 مليون ساعة عمل، من 4481 قطعة تأتي على شكل نجوم مصنوعة من مادتي الألمنيوم والإستانلس ستيل المقاومتين للصدأ، أكبرها تأتي بأبعاد 13 مترا ووزن 1.3 طن.

وأشار مدير المشروع في شركة “تيرنر كونستركشن”، عامر خربوش إلى أن “المشروع يحتوي على 145 ألف متر مكعب من الخرسانة، وأكثر من 7 آلاف طن من الفولاذ، و5 آلاف طن من الكسوة”، مضيفا، “إذا نظرتم إلى هذا الشيء يبدو ضخماً وجميلا”.

وقال، إن هيكل المتحف من الخارج، والذي تعتبر فرصة تشييده نادرة، بل قد تمر مرة واحدة كل 800 عام “فريد من نوعه”، لافتا إلى أن تصميم المبنى أتى بمثابة متحف للفن الكلاسيكي.

وقال المهندس جان نوفيل، “قبل كل شيء، يعود تصميم هذا المتحف إلى التراث الثقافي المحلي والعربي والإسلامي، من خلال توظيف رموز مثل القباب وأنماط الطراز الأخرى، فضلا عن إعطاء أهمية للمناخ المحلي أيضاً”.

وتم اختبار كل جزء في المتحف بعناية، بدءا من الطلاء وضوء المصابيح، وصولا إلى صفائح الخرسانة، وذلك في مركز للاختبار في موقع البناء.

ويعتبر هذا المركز بمثابة نسخة مصغّرة عن مشروع البناء المكتمل، ويبلغ طوله سبعة طوابق، ويبعد فقط مئات الأمتار عن موقع البناء الرئيسي.

التحف النادرة تزور الإمارات

المدينة الخفية

يغطى جزء كبير من الأرض المحيطة بالمتحف بالمياه، ما يجعل المبنى يبدو عائماً في مياه الخليج المتلألئة مع إنشاء برك مدّ وجزر داخل المبنى تحت غطاء القبة الواسعة.

أما الزوار، فبإمكانهم التنزه داخل المتحف، والجلوس في مقهى والاستمتاع بمشهد المياه التي تمتد باتجاه المتاحف الأخرى، ما يجعلهم يقضون يوما كاملا دون ملل لتكون لديهم فكرة عما يوجد تحت أقدامهم.

وقال خربوش إن “مساحة العرض في المتحف تعتبر بمثابة رأس جبل الجليد”، موضحا أن “هناك مدينة أخرى في الأسفل تتكون من الأنفاق والحمامات والمطابخ”.

وبذل فريق مشروع أعمال البناء في المدينة الخفية والتي تعتبر بمثابة متاهة تحت الأرض بعيدة عن الأنظار، وتمتد لحوالي تسعة أمتار تحت مستوى سطح البحر، الجهد ذاته الذي تحتاجه العناصر المعمارية فوق السطح”.

وأوضح خربوش أن “الماء يشكل خطرا أسوأ من النار إذا تسرّب إلى المتحف”، لكنه يؤكد أن “المياه لن تتسرب أبداً إلى المبنى”.وعمد فريق العمل إلى وضع طبقتين مانعتين لتسرب المياه، تتمتعان بتقنية عالية إلى أبعد الحدود من أجل ضمان عدم تسرّب المياه إلى المبنى.

وتم وضع خطة صمّام أمان في المبنى في حالة ظهور تسرّب للمياه، من خلال طبقتين من المطاط يتصلان بالمياه، فيما توجد بين الطبقتين المانعتين للماء، غرفة صغيرة تحقن بالجص عبر نظام من الأنابيب والخراطيم التي تعمل إلكترونيا، علما أن النظام بأكمله متصل لاسلكياً، لتفادي أي مشكلة في حالة تسرّب المياه.

ويكسو غطاء أخضر يبلغ سمكه عدة مليمترات حوالي 760 من صفائح المبنى تحت الماء. كذلك، شيّد المهندسون حواجز أمواج قبالة الساحل من أجل تخفيف قوة الأمواج التي ترتطم بالمبنى، بطريقة مشابهة لنظام المياه العربي التقليدي والمعروف بـ”الفلج”.

مقتنيات نادرة

تمتد فسحات العرض الداخلية في متحف اللوفر أبوظبي على مساحة 8600 متر مربع، وفي قاعات العرض الثلاث والعشرين الدائمة، سيعلق 600 عمل فني من بينها 300 مُعارة من 13 متحفا فرنسيا خلال السنة الأولى التي تلي الافتتاح.

ومن التحف الفنية المعارة، لوحة “الحدّادة الجميلة” لليوناردو دا فينتشي من متحف اللوفر و”بونابرت عابرا الألب” لجان لوي دافيد (فرساي) و”رسم ذاتي” لفنسنت فان غوغ من متحف أورساي الذي يضم أكبر مجموعة في العالم من اللوحات الانطباعية.

حلم المتحف يتحقق

وستروي غالبية الأعمال تاريخ الحضارات والثقافات والديانات في العالم باسره، ومن بينها مخطوطة من المصحف الأزرق وإنجيل قوطي وأسفار موسى الخمسة ونصوص بوذية، وسوار ذهبي شرق أوسطي يعود عمره إلى 3 آلاف عام.

وبحسب المسؤولين عن اللوفر أبوظبي، يعدّ المتحف أكبر مشروع ثقافي منذ افتتاح متحف “متروبوليتان” في نيويورك العام 1870.

وقال رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة محمد خليفة المبارك أن المتحف يوجه “رسالة تسامح”، في زمن انتشرت فيه فوضى التطرف في مختلف دول العالم.

وقال المدير الفرنسي لمتحف اللوفر أبوظبي مانويل راباتيه “إنه لأمر استثنائي.. إنها المرة الأولى التي يطلق فيها مشروع كهذا في الشرق الأوسط”، واصفا مشروع المتحف بأنه “معقّد وطموح”.

وأثارت مسألة نقل الأعمال الفنية والمحافظة عليها وضمان أمنها قلق البعض من الخبراء، معتبرين أن ذلك لا يتفق مع مصالح المتاحف الفرنسية. ومن المعارضين المسؤول على موقع “لاترنبن دو لار” ديديه ريكنر الذي يقول “لا توجد مشكلة في عمل فنانين فرنسيين في متاحف أجنبية، إلا أنه يتعيّن عليهم اختيار العمل هنا أوهناك”.

لورانس دي كار التي تشرف على متابعة المحتوى الفني للمتحف، دافعت عن موقفها بالانضمام إلى فريق اللوفر أبوظبي، بقولها، “أثيرت شكوك حول الموضوع، لكن، أكدنا أنه مشروع طموح”، موضحة أن من المهام التي سيقوم بها الفرنسيون تكوين كوادر إماراتية.

وتؤكد دي كار أن القائمين على المشروع يعملون على ألا تتعارض مصالح البلدين، خصوصا في ما يتعلق بعمليات شراء التحف.

من جانبه أكد محمد خليفة المبارك أن “حماية المقتنيات الفنية أمر حيوي”. وقد اتخذت إجراءات واعتمدت آليات ضرورية لذلك، ومنها ضبط الحرارة والرطوبة في حين تتجاوز الحرارة الخارجية الأربعين درجة مئوية خلال أشهر عدة في السنة.

وتحدث عن تعاون السلطات الإماراتية مع خبراء فرنسيين لحماية المتحف من هجمات إرهابية محتملة.

وإلى جانب المعارض المختلفة والقاعات الفنية المتنوعة، سيقوم اللوفر أبوظبي بإضافة متحف للأطفال حيث ستكون هناك أعمال ومعروضات تم إنجازها خصيصا للأجيال الناشئة، وسيتم تعريف الأطفال بالمجموعات الفنية والتقنيات الفنية، وتعليمهم كيفية تقدير الفن.

ومن المتوقع أن يستقطب متحف اللوفر أبوظبي 2.5 مليون زائر سنويا، حسب التقديرات الأولية.

20