متحف النسيج المصري يحيك تاريخ القماش بالإبرة والخيط

جزء من كسوة الكعبة يصل إلى متحف النسيج المصري الذي يمثل نموذجا للتعايش الوجداني بتجميع مقدسات سماوية وغير سماوية في مكان واحد.
السبت 2020/03/21
خطوط ذهبية تبهر الزائرين

متحف النسيج المصري يعطي لمحات مفصلة لزائريه عن أهمية الزي عند المصريين الذين لم يعتبروه مجرد تغطية للجسد، بل عملية حضارية تظهر نمطا من التقدم والمكانة المجتمعية وتحتاج إلى مراعاة لون البشرة السائد، وتقلبات الطقس والبيئة الصحراوية التي يعيشون فيها.

القاهرة- يقبع في شارع المعز لدين الله الفاطمي بمنطقة الحسين في وسط القاهرة، والمشهور بكثافة المعروضات الفنية التراثية على جانبيه المغطية لجدرانه التي يعود تاريخ تأسيسها لألف عام، متحف النسيج المصري، مختفيا عن الأنظار، ويحمل مزاوجة فريدة من نوعها بتأريخ تطور الملابس، وتوظيف النسيج في الأديان التي اعتنقها المصريون على مدار تاريخهم.

ويمثل المكان المجاور لسلسلة من المساجد بالقاهرة القديمة نموذجا للتعايش الوجداني بتجميع مقدسات سماوية وغير سماوية في مكان واحد، فأجزاء من كسوة الكعبة المشرفة التي اعتاد المصريون حياكتها وإيفادها في “محمل الحج” تتجاور مع ملابس الكهنة، والخطوط الإسلامية تعانق الأيقونات القبطية، ويحتضنان معا كتابات هيروغليفية مختلفة عن التحنيط والرحلة إلى العالم الآخر.

ورحب القائمون على متحف النسيج المصري، الذي احتفل مؤخرا بذكرى مرور عقد على تأسيسه كأول مكان متخصص في معروضات النسيج بالشرق الأوسط والرابع عالميا، بوصول جزء من كسوة الكعبة المصنعة بمكة المكرمة إلى مصر كهدية.

وسيتم عرض هذه القطعة في متحف العاصمة الإدارية في شرق القاهرة، باعتبارها تعطي زخما غير مباشر آخر للفن الإسلامي الخاص بصناعة غطاء الكعبة تعزفه الأنامل السعودية بخامات وإنتاج مختلف.

وتسد القطعة السعودية المصنوعة من الحرير الأسود فجوة في المعروضات المتحفية المحلية بمصر التي تؤرخ فقط للأسلوب المحلي في الصناعة المتوقفة، منذ انتهاء رحلة المحمل المصري مطلع الخمسينات من القرن العشرين، ووجودها قد يكون محركا لرابطة غير مباشرة، وجاذبا للسائحين من هواة الفن الإسلامي لزيارة متحفي العاصمة الإدارية والنسيج المصري في رحلة واحدة.

تأريخ على القماش

القطعة السعودية إلى جانب المعروضات المصرية
القطعة السعودية إلى جانب المعروضات المصرية

قال أشرف أبواليزيد، مدير متحف النسيج، لـ”العرب”، إن أجزاء كسوة الكعبة التي كان يتم تصنيعها بالقاهرة وإيفادها إلى السعودية في موكب ضخم هي الأكثر زيارة بين ألف قطعة يضمها المتحف، وتنضم إليها ستارة كل من باب التوبة والحجرة النبوية واللتان يعود تاريخهما لأربعة قرون، وتجذبان الزائرين في المناسبات الدينية مثل رمضان وموسم الحج.

وأضاف أبواليزيد، أن هذه القطع وغيرها تؤكد التطور الذهني في فن الخط العربي وتطور الصناعة، فالمتحف يحمل دورا يتعدى تأريخ الفن على القماش إلى توصيفه كرمز للتسامح الديني بقاعاته الـ11 المقسمة بين العصور الفرعونية والمسيحية والإسلامية، وتوجد داخل كل منها معروضات عن رؤية أصحابها للحياة والموت والكون والحكمة.

وتخطف الكسوة المعروضة بمتحف النسيج، والتي يعود تاريخها لعهد الملك فاروق الأول، الأنظار بأشرطتها المنسوجة من الحرير الكحلي المطرز بكتابات منفذة بخيوط من الفضة بطريقة “السيرما” أو “القصبجية” المعتمدة على كتابة الآية المراد نقشها على ورقة بمساحة القماش، وثقب مكان الحروف وطباعتها عبر مسحوق أبيض اللون على القماش، وبدء غزل تلك الحروف بالخيوط.

ويعطي المكان لمحة عن كيفية صناعة العُمّال المصريين للكسوة التي كانت تبدأ بالوضوء وقراءة الفاتحة بصوت عالٍ قبل لمس القماش والخيوط بأيديهم، وتوضع بجوارهم الأطباق المملوءة بماء الورد، لغسل أيديهم فيها خوفًا من تلوث الكسوة برائحة العرق، وبجوارهم بئر يملأونها بماء زمزم الذي ينقلونه من مكة، وكل معدات صناعة الكسوة من قماش وخيوط وإبر تُغسل أولا بذلك الماء قبل استخدامها.

وأوضح أبواليزيد أن المتحف ربما يحمل رسالة تسامح غير مباشرة، فالمبنى الذي يضمه أسّسه محمد علي باشا والي مصر قبل نحو قرنين من الزمان لأغراض وقفية متعددة من بينها “سبيل خيري” لسقاية المارين مهما كانت ديانتهم، وتحفيظ القرآن الكريم، وتدريس علومه، وفي مكان ملاصق لسوق ضخمة ضمت جميع الجنسيات والأعراق التي جاءت إلى مصر وانصهرت في تكوينها السكاني.

الكثير من الزائرين يصابون بالصدمة حينما يعرفون أن القدماء اخترعوا علامة تجارية لملابسهم في القرن السادس عشر قبل الميلاد، يقومون بطبعها على الصناعة المحلية

ويظهر داخل قاعات الفن القبطي انصهار الرسوم الفرعونية بتعليمات المسيحية التي خرجت في شكل خيوط صوفية متعددة السُمك تغزل منسوجات مجسّمة وبارزة عن الأيقونات، ونماذج لملابس الرهبان والقساوسة، ولوحات للقديسين التي تعود للعصور الوسطى.

واستضاف المتحف، بالتزامن مع الاحتفال بميلاد السيد المسيح في يناير الماضي، معرضا للفن “القباطي” وهو من المنسوجات المصرية القائمة على التعبير عن الأيقونات المسيحية عبر النسج بالصوف، يتضمن في الغالب رسومات للسيدة العذراء والسيد المسيح والملائكة والرسل والقديسين والشهداء، ومواضيع من التوراة والإنجيل.

وتتكامل رسالة المكان بوقوعه ضمن شارع تتقاطع فيه العصور، بين جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي أقدم عمارة حجرية باقية في القاهرة الفاطمية، والجامع الأقمر الذي يضم واجهة تجيد فنون العمارة الإسلامية وتم استنساخها بالمتحف القبطي، وسبيل خسرو باشا العثماني الملاصق لقبة الصالح نجم الدين أيوب سلطان المماليك الذين انتهى حكمهم على يد العثمانيين الغزاة.

ويعطي المتحف لمحات مفصلة عن أهمية الزي عند المصريين الذين لم يعتبروه مجرد تغطية للجسد، لكن عملية حضارية تظهر نمطًا من التقدم والمكانة المجتمعية وتحتاج إلى مراعاة لون البشرة السائد، وتقلبات الطقس والبيئة الصحراوية التي يعيشون فيها، فصمموا ملابسهم بأنسجة شفافة ومن خامات مناسبة تناسب درجة الحرارة المرتفعة.

وتنتاب الزائرين علامات الدهشة حينما يربطون المعروضات المتحفية ببعض صيحات الموضة المعاصرة التي يجدون لها أصولا تعود لآلاف الأعوام، كتقنيات حياكة بعض الملابس المعتمدة على ترك أطراف الخيوط متدلية بصورة شبيهة بالوبر، كشكل جمالي والتي لا تزال دارجة حاليًا في أشهر الماركات العالمية.

معروضات غريبة

تعليمات دينية تمتد لعصور طويلة
تعليمات دينية تمتد لعصور طويلة

وقف سائحان فرنسيان يتبادلان نظرات استغراب أمام حقيبة من الكتان وبجانبها قطعة قماش ثلاثية الحجم لونها تحوّل إلى البني لها ذراعان طويلان مع تقادم عمرها الذي يقارب 5 آلاف عام، ترتبط دهشتهما بمعرفة أنها حفاضة للأطفال الرضع ومعها حقيبة لحمل باقي مستلزماتهم ويزداد الأمر غرابة بقراءة تقنيات تطهير الملابس وغسلها، التي تتضمن مواد لا تزال
حتى الآن دارجة في صناعة المنظفات عالميا. وتطغى خيوط الكتان على غالبية الأنسجة المعروضة، فالمصريون مجدوه واعتبروه من نباتات الجنة مع وجود للقطن على مضض مرتبط بهدية مقدمة للفرعون أحمس الثاني، وتواجد للحرير الذي جاء لمصر من الصينيين عبر بوابة بلاد فارس، وأخيرا الصوف الذي قصر تواجده في قاعات العصور الإسلامية.

ويغطي جميع أنماط الملابس في مصر القديمة وتطورها ما بين “المجول” (جونلة) أو القميص المنزلي الذي يغطي الجزء السفلي فقط بثنية كبيرة من الأمام وضيق من الخلف، ولباس الملوك والنبلاء الذي يغطي الجسم كله، وملحقة بنوعيات من الجلد والزينة المعدنية التي تظهر مكانة صاحبها وحتى الرداء الكامل الذي ظهر بداية من الأسرة الثامنة عشرة.

وكانت للملابس والمنسوجات مكانة في حياة المصريين القدماء وبعد مماتهم، فكل فئة اختارت ما يميزها في الحياة اليومية أو في أداء الطقوس والشعائر بعد الموت، ولذا خصص المتحف قسما كاملا للمنسوجات الجنائزية يتضمن أسرّة مصنوعة من الأقمشة وقطعا مستخدمة في عمليات التحنيط.

ويتوقف الزائرون كثيرا أمام صندوق زجاجي يضم رداء سيدة فرعونية تم اكتشافه ضمن 12 فستانا بمقبرتها في نجع الدير بسوهاج في جنوب مصر بسبب طريقة تصميمه العصرية بثلاثة أنواع مختلفة من الطيات، وبجواره أحد الأسّرة الصغيرة المصنوعة من النسيج الوبري الكثيف المعزز بأرجل خشبية على هيئة مخالب أسد، وكان يستخدم قديما كوسيلة لنوم الأمراء والأثرياء داخل خيامهم في رحلات الصيد بالبراري.

داخل قاعات الفن القبطي يظهر انصهار الرسوم الفرعونية بتعليمات المسيحية التي خرجت في شكل خيوط صوفية، ونماذج لملابس الرهبان والقساوسة

ويتضمن المكان تشكيلة من أغطية الرأس للمرأة الفرعونية “شالات” التي لا تختلف كثيرًا عن المستخدمة حاليًا إلا في الألوان والحجم، ففي مصر القديمة كان طول الواحد منها ضعف الشخص الطبيعي وبعرض يناهز نصف المتر، وظل مستخدما كزي نسائي أساسي حتى عصر الأسرة الثامنة عشرة التي استبدلته بالزي الضيق المزركش المعروف بـ”التيونيك”.

وأكد أبواليزيد، أن الكثير من الزائرين يصابون بالصدمة حينما يعرفون أن القدماء اخترعوا علامة تجارية لملابسهم في القرن السادس عشر قبل الميلاد، يقومون بطبعها على الصناعة المحلية من الملابس والعديد من المعروضات تظهر تلك العلامات بوضوح.

ويحكي المتحف قصة مصانع النسيج الملكية بمدينة الإسكندرية “الجينيسوم” التي كانت تصدّر منتجاتها لروما في العصر الروماني، واندمجت تقنياتها فيما بعد مع انتشار المسيحية بمصر لتخرج بتصميمات تتسم بالروحانية والرمزية والتجريدية في أغلب الأحيان، واستخدام الألوان البراقة الأقرب إلى التطريز عن النسج.

ويحوي المتحف أيضا مجموعة تماثيل تم جلبها من المتحف المصري والفن الإسلامي ومنطقة القرنة في مدينة الأقصر، وتظهر أنماط الملابس وتفاصيلها ساحة خاصة عن كيفية لفها في مختلف العصور، وأجزاء تتعلق بأزياء الأطفال في العهد القبطي التي امتازت بطابع خاص في الحياكة شبيهة بملابس القساوسة حاليا بمجموعة من الطيات المتعددة التي تعطي شكلا جماليا.

ولا يكتفي المكان بتأريخ صناعة الملابس فقط، لكنه يحفظ فن صناعة السجاد اليدوي أيضا بقطع فريدة من نوعها لمختلف العصور أكثرها جذبا للانتباه قطعة للصلاة مصنوعة من الحرير الأحمر أهداها محمد علي باشا لابنته زينب في حفل زفافها، ويعود عمرها حاليا لقرابة الـ200 عام لكنها محافظة على جودة ألوانها.

ولا تخلو القاعات من مشاهد ثلاثية الأبعاد تعطي المشاهد لمحة حية عن كيفية عمل الآلات وطبيعة تقسيم العاملين بالورش بمجسمات جصية لتماثيل ومعدات من الخشب تنقل مشاهدها إلى عصر لم تظهر فيه المحركات بعد، ونماذج لأدوات الطباعة في العهد العثماني ووسائل الحياكة التقليدية البسيطة في مختلف العصور.

17