متحف بغداد كما تراه روائية دنماركية

الاثنين 2015/09/07

يتجلّى الشرق في ذهن بعض الأدباء الغربيّين مكانا مفعما بالأساطير والآثار والاكتشافات، وهؤلاء ينظرون إلى التاريخ في الشرق كأساس للحضارة وامتداد لها، في الوقت الذي تقيّد الأنظمة عالم الشرق بثروات التي ينبغي نهبها، عبر دفع أبناء تلك البلاد إلى الاقتتال، واستغلال الخلافات التاريخيّة وتأجيجها، وإبقائها مستعرة ليسهل الفتك بالبلاد وأهلها.

فقدت البلاد العربيّة، سوريا ومن قبلها العراق، كثيرا من أعظم الأماكن التاريخيّة المصنّفة ضمن التراث الإنسانيّ، في الحروب التي نشبت على أراضيها، ولا تزال رهينة هذه الحروب التي تنسف بحضارة البلاد وتشرّد أهلها وتنكّل بتاريخها وتعدم حاضرها ومستقبلها.

التفت بعض الأدباء الغربيين إلى الكارثة التاريخية التي حلّت بآثار بلاد الرافدين، وظهر الاهتمام بالآثار في الرواية، منهم مثلا الدنماركية ميريته بريدس هيله في روايتها “صيد في نهر الحياة”، والتي ارتحلت في الأزمنة لتستنطقها، وتستخرج العلاقات والتقاطعات بينها وبين الزمن الراهن، تنتقل بشخصياتها من الحاضر الدنماركي إلى الماضي السومري، باحثة عن خيوط اتّصال لا مرئية بين الشعوب والحضارات والأمكنة.

تبحث ميريته في تاريخ الكتابة واختراعها وتطورها، وكيف أدخلت البشرية من حقبة إلى أخرى، وغيّرت العلاقات بين الناس والشعوب، وخلّفت إرثا عظيما. تلتقط البذور الأولى لاكتشاف الكتابة في بلاد الشرق، ثمّ تنتقل لتحكي رحلة مفترضة لأحد أبطالها إلى متحف بغداد، وكيف أنه شاهد كثيراً من اللقى التي عثرت عليها بعثات التنقيب العراقية، وأنه لا أحد يرغب في الإعلان عنها، ويصف المتحف بأنّه منجم ذهب حقيقي يحوي بحوث عشرات السنين.

ركّزت ميريته على استحضار الماضي، واستلهام العبر منه، وأشارت إلى أن هناك لقى في متحف بغداد لا أحد رآها من قبل، وأن هناك من نهبها، تراها تستعيد مشاهد قصف العراق، وتدمير حضارة تلك البلاد. كما تضمّن روايتها بعض الأفكار عن أساطير بلاد ما بين النهرين، تصف الخلافات بين القوى القديمة وصراعها في ما بينها. تذكر حكايات جلجامش، إينانا، عشتار، إنسيكلوب.

تختم الروائية عملها بهتاف إنسيكلوب “يجب أن أكون هناك. عليكم أن تفهموا أن ذلك ينبغي ألّا يحدث. ينبغي أن أدلي برأيي. لا أريد أن يجول الجنود في المدينة دون أن يفعلوا شيئاً”. وذلك في إشارة إلى رفض أرض البلاد وتاريخها لما يجري هناك، والاحتجاج على تحويلها مسرحاً للانتقام والثأر من الماضي وتدمير الحاضر ونسف المستقبل.

“إنّهم يستغلّون ضعفنا”، هكذا يصرّح بعضنا لبعض، من دون أن يتمكّن من وضع سدّ الفجوات التاريخيّة التي تتعمّق بالتقادم وتكتسب العداوة معها أصالة وتجذّراً. “لابدّ من لعن الحروب وأمرائها” نردّد لبعضنا بعضا أيضا، ومن دون أن نستدلّ إلى طريق للخلاص في المدى المنظور.

كاتب من سوريا

15