متحف بيروت ينبض بالحضارة رغم الحروب

يعاني متحف بيروت من آثار الحرب التي دمرت أجزاء كبيرة منه لكن رغم ذلك يحاول أن يحفظ كنوز لبنان الأثرية التي بقيت شاهدة على كل الحضارات التي مرت على أرض لم تنسها الحروب والقذائف التي لا تحترم تراثا ولا معمارا ولا نفائس تاريخية.
الأربعاء 2015/11/25
تماثيل كبيرة الحجم تزين بوابة المتحف

بيروت - افتتح متحف بيروت الوطني في عام 1942 ليكون متحفا رئيسيا للآثار اللبنانية، وضم آثاراً ترجع لعصر البرونز والعصور الإغريقية والبيزنطية، فضلاً عن العصر الإسلامي والمملوكي، حتى تعرّض للتدمير جراء الحرب الأهلية التي أصابت لبنان عام 1975، وتمّ إغلاق المتحف في تلك الفترة وأثناء تدهور الأوضاع أصابته بعض القذائف النارية، فقامت الحكومة آنذاك بوضع المقتنيات الأثرية الأكثر عرضة للتدمير في الطابق السفلي، والمقتنيات الصغيرة في الطابق الأول.

وأُحيط المتحف بجدران سميكة لا تخترقها القذائف، كما وضعت القطع الأثرية الكبيرة داخل قوالب خشبية تتخللها أكياس رملية، ثم أحيطت بالخرسانة المسلحة، ولكن رغم هذه الاحتياطات بلغت القذائف عمق الردهات الداخلية، وأدت إلى تسرّب المياه المالحة عن طريق الشقوق داخل المتحف، فقضت على الكثير من الآثار الموجودة بالمخزن، وبعثرت المجلدات الموجودة بمكتبة المتحف والتي كانت تبلغ 17 ألف مجلد.

وبعد انتهاء الحرب عام 1991، كان المتحف قد أُصيب بدمار هائل، وقام ميشال إده وزير الثقافة والتعليم العالي آنذاك، بوضع خطة ترميم تعيد المتحف لمكانته الأولى، وكانت خطة الترميم تضمّ هدم جميع الحوائط الخرسانية التي أقيمت لحماية القطع الأثرية، واستعادة القطع الأخرى التي نهبت أثناء الحرب، حتى وصل عدد القطع الأثرية فيه إلى 1300 قطعة.

ويتكوّن المتحف من الطابق السفلي أو الطبقة الأرضية، وهي مخصّصة للقطع الصخرية كبيرة الحجم، وبها ثلاثة أجنحة يضم الأوسط والأيمن منها مقتنيات أثرية ترجع للعصر البيزنطي والروماني، ومنها فسيفساء الحكماء السبعة والتي تضمّ سقراط وكاليوب وبعض رجال الفلسفة، ويوجد بالقرب منها تمثال لأحد أباطرة الرومان يُدعى “هادريان” وهو مقطوع الرأس، كما توجد مجموعة من النواويس عليها نقوش لتماثيل إله الحب كيوبيد على جانبي الجناح الأوسط، ونقوش أخرى لمعارك الإغريق وبعض الأساطير القديمة.

الطبقة الأرضية مخصّصة للقطع الصخرية كبيرة الحجم

وتقع بالقرب من هذه النواويس محتويات أثرية أخرى منسوبة لإله الشفاء عند الفينيقيين ويُدعى أشمون، كتماثيل الأطفال وهي تحيط به وتقدّم له القرابين، فقد كان مشهوراً بشفاء الأطفال، ومنصة للإله أشمون محفور عليها في إحدى الجهات آلهة وآلهات، وفي الجهة الأخرى راقصون وراقصات، إضافة إلى عرش أشمون وستة عريش أخرى صغيرة لبعض الآلهة القديمة. ويوجد أمام مدخل المتحف سلم يؤدي إلى الطابق الثاني، وعلى اليسار توجد قطعة من خشب الأرز تعود إلى عام 41 قبل الميلاد، بالإضافة إلى 19 ناووساً تعود جميعها إلى القرن الخامس قبل الميلاد.

أما الطابق الثاني فيضمّ مقتنيات حجرية ذات نقوش قديمة ونادرة، وتماثيل كبيرة الحجم وبعض الفخاريات والزجاجيات والحلي النادرة، وقد صُنفت هذه المقتنيات وفقاً للعصر الزمني التابع لها، منذ العصر البرونزي 1200 عام قبل الميلاد، إلى عصر الفتوحات العربية والعصر العثماني 1516.

وتبدأ هذه المقتنيات بنماذج خزفية تُعدّ من أقدم حفريات الإنسان، كالجرار الفخاري الذي يعود للألف الأولى قبل الميلاد، وخزفيات منقوشة عليها طقوس الموتى، فضلاً عن عاجيات من العصر البرونزي وأوعية ترجع للعصر الروماني وخزفيات ترجع للعصر الإسلامي، وبعض التماثيل الكبيرة التي تعود للعصر البرونزي، وأخرى لحيوانات صغيرة كانت تُستخدم قديماً كقرابين في المعابد والهياكل، بعضها يرتدي قبعات كبيرة مغطاة بورق الذهب.

كما يضمّ هذا الطابق مجموعة من الحلي القديمة التي عُثر عليها في مدينة صيدا، مثل عقود العقيق التي تعود للعصر البرونزي وحلي أخرى تعود للعصر الخامس قبل الميلاد، وبعض الكنوز الذهبية الأخرى التي تعود للعصر البيزنطي، كالخواتم والأساور التي تحمل أشكالاً لحيوانات مختلفة، ومجموعة قلادات كانت داخل أحد الجرار التي تمّ انتشالها من التراب في بيروت عام 1977، خلال عمليات البحث عن المقتنيات الأثرية.

وتوجد بهذا الطابق بعض المحتويات في قبور الملوك الموجودة في مدينة بيبلوس القديمة، وعلى بعض المشغولات الذهبية، التي تُعدّ من أبرز مصادر المعلقات الأثرية الموجودة بالمتحف، مثل التيجان

والدروع والخناجر المرصعة بالذهب، وصندوق من الذهب الخالص، وبعض الأواني الزجاجية ذات اللون الأسود، والفؤوس الذهبية.

كما يحتوي المتحف على بعض الأواني الزجاجية التي تعود للعصور البيزنطية والرومانية والإسلامية، وهي مجموعة قوارير وأباريق زجاجية ذات أشكال أنيقة وألوان متعدّدة، فضلاً عن بعض الأقمشة المصبوغة بالأرجوان التي صنعت قديماً وكان يستخدمها الملوك في صيدا وصور، وبعض بقايا الحروب التي خاضتها مدن لبنان في العصور القديمة، مثل بقايا قطع الحديد المفتولة والأحجار المحروقة وقطع من الزجاج المحروق.

20