متحف عريق للأسلحة في القاهرة يجهله المصريون

رغم ما يضمه من تحف عسكرية ثمينة ومقتنيات قد لا تجد لها مثيلا في العالم، فإن متحف الأسلحة بقلب القاهرة يكاد يكون غريبا على المصريين، إذ يندر أن تصادف من سمع عنه أو يعرف أسراره أو حتى سبق أن زاره ولو لمرة واحدة..
الثلاثاء 2015/05/26
متحف الأسلحة كان ممنوعا على الجمهور المصري زيارته، طيلة 7 عقود، مما جعل المصريين يجهلون ما يضمه من مقتنيات نفيسة

يستضيف قصر عابدين، بوسط القاهرة، متحف الأسلحة الفريدة من نوعها منذ ما يقارب تسعين عاما، وهو أقدم المتاحف التي يضمّها القصر، باعتباره يضمّ أيضا متحف الأوسمة والنياشين ومتحف الفضيات ومتحف هدايا رئاسة الجمهورية.

بني متحف الأسلحة عام 1928، بأمر من الملك فؤاد الأول الذي كان عاشقا لجمع واقتناء الأسلحة، وهي هواية ورثها عنه نجله الملك فاروق آخر ملوك مصر.

وجمع الملكان فؤاد وفاروق مقتنيات المتحف بشراء بعضها من المزادات العالمية، بينما حصلا على البعض الآخر كهدايا من ملوك ورؤساء العالم، وورثا قطعا أخرى عن جدهما الأكبر محمد علي، وظل المتحف متاحا فقط للزيارات الرسمية لرؤساء وملوك الدول الأخرى، ولم يسمح للجمهور بزيارته إلا بعد مرور 70 عاما على تأسيسه، وتحديدا في العام 1998.

ويوجد المتحف في حي عابدين، أحد الأحياء التي تتميز بطابع معماري فريد، جامعا بين الطرازين التراثي والمعاصر. وهو ما يبرز من خلال ما يضمه من أسلحة ترصد مدى ما عرفته من تطوّر على مرّ القرون والعقود، بداية من الأسلحة البيضاء من خناجر وسيوف ووصولا إلى الأسلحة النارية من بنادق ومسدّسات.

زيارة متحف الأسلحة تعدّ رحلة علمية ثريّة متاحة لعموم الجمهور المصري والأجنبي، حيث يستقبلهم خلالها جنود يرتدون زيّا خاصا وتعلو وجوههم ابتسامة الترحيب. يضمّ المتحف قسمين، يحوي أولهما الأسلحة البيضاء، من السيوف والخناجر، كما يضم قطعا تعود إلى العصور الوسطى جلبت من إيران وتركيا. أما القسم الثاني فيضم الأسلحة النارية، منذ نشأتها وعبر مسار تطوّرها، بدءا من حشوها بالكبريت إلى غاية استخدام الرصاص.

1928 تاريخ إنشاء متحف الأسلحة بأمر من الملك فؤاد الأول والد الملك فاروق
تأخذ المقتنيات مواقع لها داخل صناديق زجاجية، بعضها معلق على لوحات خشبية أو معروض داخل واجهات معلقة على الجدران.
ومن أبرز المقتنيات مجموعة سيوف مهداة للملك فاروق بمناسبة زواجه، أكثرها جمالا سيف من الذهب الخالص المطعّم بالألماس، وهو هدية من ملك إنكلترا، جورج السادس، في يوم زفاف ملك مصر من الملكة فريدة. كما يضمّ المتحف سيفا آخر من الذهب الخالص أهداه له أمير الكويت الراحل، عبدالله السالم الصباح، بمناسبة زواجه الثاني من الملكة ناريمان، ووضع بجانب السيف صورة الزفاف الملكي، التي تظهر فيها ناريمان مرتدية فستانا مرصعا بالألماس والأحجار الكريمة.
ومن أثمن القطع المعروضة الخنجر الخاص بالقائد العسكري الألماني الشهير رومل الملقب بـ”ثعلب الصحراء”، والذي كان قاد قوّات المحور إلى انتصارات مدوّية في شمال أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن يدخل مصر من حدودها الغربية.

وكان الملك قد حظي بترحيب كبير من الملك فاروق والكثير من المصريين ممّن وجدوا في انتصارات الألمان فرصة للتخلّص من الاستعمار البريطاني لمصر.

ويعدّ خنجر رومل أحد أهم المقتنيات داخل المتحف، حيث كان يفترض وضعه في المتحف الخاص بالقائد الألماني الموجود في منطقة العلمين القريبة من محافظة مرسى مطروح على الحدود الغربية لمصر مع ليبيا، لكن الملك فاروق اشترى الخنجر ووضعه في مكانه الحالي.

زي الفارس لاما المصنوع من الصلب

والجدير بالإشارة أن المتحف يضمّ أيضا المسدس الخاص بالزعيم الإيطالي موسوليني، وقد اشتراه فاروق أيضا من أحد مزادات الأسلحة بإيطاليا.

الواجهات المعلقة في أرجاء عديدة من المتحف، تحوي كما هائلا من الأسلحة النارية، بداية من مسدس “الغدارة”، التي تعتبر أقدم أنواعها، والتي اشتقت اسمها من كلمة غدر، حيث كانت الحروب في الماضي تخاض بالسيوف وجها لوجه، على عكس المسدس الذي لا يحتاج إلى المواجهة، لذلك اعتبر المحاربون أنّ الغدر يلعب دورا كبيرا في استخدامه. السلاح الشخصي للملكة فريدة في المتحف يعد تحفة فنية رائعة، حيث صنع خصيصا لها في تركيا كهدية زواجها من الملك فاروق، وقد صمم المسدس من الفضة وحفر على أحد جوانبه حرف “آف” بالأحرف اللاتينية، وهو الحرف الأول من اسم الملكة فريدة، كما تم حفر التاج المصري أعلى الحرف.

واجهة بلورية أخرى تعرض بعض العصي، لكن قبل أن يصاب الزائر بالدهشة من وجود العصي وسط هذا الكم من الأسلحة، يكشف لك الشرح المعلق بجوارها أنها ليست بعصي، بل هي بنادق صممت خصيصا على هذا الشكل كنوع من التمويه لاستخدامها وقت التعرّض للخطر.

على أحد الجدران ترسو لوحة فنية مبهرة رسمها فنان فرنسي، يدعى نوفيل، واكتسب شهرته من إجادة رسم المعارك العسكريّة. وقد تمكّن بريشته المعبّرة أن يجسّد الحرب بين ألمانيا وفرنسا في اللوحة التي تحمل عنوان “الحرب السبعينية”، وتبعث في النفس الكثير من الشجن خاصة أنّها تعكس حالة الحزن والانكسار التي انتابته خلال رسمها بسبب هزيمة فرنسا في تلك الحرب، وقد استغرق رسم اللوحة نحو 5 أعوام، واشتراها الملك فاروق من أحد المزادات بفرنسا.

بعد خطوات قليلة من اللوحة، يقف تمثال كبير للقائد الألماني، فريدريك الثاني، مصنوع من البرونز على قاعدة من الخشب، شيّده الألمان تخليدا لأعماله، وقد نال التمثال إعجاب الملك فاروق، فلم يكتف بشرائه، إنما استعان بأمهر النحّاتين الطليان لينحت له تمثالا بنفس الشكل، ولكن بحجم أكبر لجدّه الكبير محمد علي باشا، وعلى قاعدة من الجرانيت وليس الخشب، حيث نحت تمثال محمد علي ممتطيا حصانه الذي يقف على قاعدة رباعية تحمل أهم إنجازاته.

تماثيل أخرى يضمها المتحف، وخاصة للشخصيات المعروفة من أبناء محمد علي وأحفاده مثل الخديوي إسماعيل والملك فؤاد، مؤسس المتحف، وإبراهيم باشا، أكبر أبناء محمد علي، والخديوي محمد سعيد باشا الذي منح الفرنسي ديليسبس الموافقة على حفر قناة السويس.

وبخلاف الأسلحة واللوحات التي تؤرّخ للحروب والمعارك الكبرى، يضمّ المتحف قطعة ملفتة عبارة عن زي فارس يطلق عليه اسم لاما، صنع من الصلب لحماية الفرسان أثناء المبارزة، وبمرور الوقت تطوّر الزي، ليتحوّل من قطعة واحدة يبلغ وزنها 65 كيلوغراما إلى عدّة أجزاء.

المتحف، رغم عراقته وتنوّع مقتنياته وندرة بعضها، فإنّه يبقى مجهولا لدى معظم المصريين غير العارفين بالجواهر التراثية التي تزخر بها بلادهم، وذلك على خلاف شهرته الواسعة دوليّا، لا سيما أنّه أضحى محطة تقصدها الوفود العسكرية الزائرة لمصر بشكل متواترة.

20