متحف "قصر الوردة" مدونة الذاكرة العسكرية في تونس

تحاول العديد من الدول أن تحفظ ذاكرتها للأجيال القادمة، فتساهم بدورها في مراكمة المخزون الحضاري الذي يرسّخ هوية الشعب ويوثق جذوره، ومن بين ما تسعى الشعوب لتدوينه تاريخها العسكري والحربي، لتكون الهزائم درسا حربيا في المستقبل وتكون الانتصارات مفخرة الشعب أمام بقية الشعوب، كذلك فعلت تونس في متحفها العسكري لأن التاريخ المدون في الكتب قد لا يكفي لفهم الحضارات التي تعاقبت عليها.
الأربعاء 2015/09/30
قصر لاصطياف الباي والضيافة الدبلوماسية

تونس – ينتصب المتحف الوطني العسكري “قصر الوردة”، في مدينة منوبة (غرب العاصمة تونس) وهي منطقة تعرف بمناخها الطيب وطبيعتها الجميلة، كمعرض للأسلحة والسجلات التي تحفظ ذاكرة الجيوش والحروب التي خاضتها على أرض تونس منذ عهود غابرة.

وتم بناء قصر الوردة سنة 1798 في عهد حمودة باشا باي (حكم تونس من مايو 1782 إلى سبتمبر 1814) قرب البرج الكبير بمقر الحدائق الملكية التي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر. واستعمل القصر لمدّة طويلة مكانا لاصطياف العائلة الحاكمة، كما وقع استغلاله لاستقبال الشخصيات الأجنبية البارزة وإيوائها.

وفي عهد أحمد باشا باي (1837-1855)، وتزامنا مع الإصلاحات التي شهدها الجيش والبحرية التونسية، أصبح قصر الوردة والمباني التابعة له ثكنة للمدفعية ثم ثكنة للخيالة، كما استعمل القصر أيضا لإيواء الضباط الأوروبيين الذين كانوا يدرّسون في المدرسة الحربية بباردو أثناء الفترة الأولى التي فتحت فيها أبوابها (1840-1853) وكذلك أثناء الفترة الثانية (1859- 1866) التي عقبت غلق المدرسة بسبب مشاركة الجيش التونسي في حرب القرم.

وعلى إثر دخول القوات الفرنسية التراب التونسي في أواخر شهر إبريل 1881 تم استغلال قصر الوردة كمقر قيادة لهذه القوات، كما تم استغلاله خلال الحملة العسكرية على تونس (نوفمبر 1942- ماي 1943) من طرف جيوش المحور في مرحلة أولى، ثم في مرحلة ثانية من قبل وحدات الجيش الفرنسي.

وقد أثرت مختلف الاستعمالات وقلة العناية على الحالة العامة لهذا المعلم الأثري الذي أوشك على الاندثار، كما أن انفجار مخزن للذخيرة خلال الحملة العسكرية على تونس أثّر بصفة سلبية على حالة القصر. وانطلاقا من سنة 1977 شرعت وزارة الدفاع في ترميم هذا المعلم الأثري ليسترجع هذا المبنى رونقه الأصلي ويتحول إلى متحف تم تدشينه سنة 1984 وخُصّص لعرض تاريخ تونس العسكري. وكانت الغاية من بعث هذا المتحف هي إحياء التراث العسكري التونسي وإبراز مختلف الملاحم التي عرفتها تونس.

ويقول محافظ (مدير) المتحف، سامي الشامي إن “القصر كان يُخصّص في عهد حمودة باشا للراحة والاستجمام، في وقت كانت إدارة الحكم تدار من قصر باردو، كما استعمل القصر لاستقبال ضيوف تونس والشخصيات الرسمية التي كانت تزور البلاد آنذاك”.

سلاح شاهد على معارك وقعت على الأراضي التونسية في الحقبة الحديثة

وتضم ساحة المتحف آليات ثقيلة، كالمجنزرات والدبابات والمدافع، كمدفع الأسوار، إضافة إلى العربات والمعدات التي استعملت في السنوات الأولى للاستقلال، إضافة إلى طائرة أميركية الصنع من نوع “إف 86” استخدمها الجيش التونسي في السبعينات. ويتم الدخول إلى القصر عبر مدخل رئيسي يسمّى “الدريبة” أي الساحة الوسطى للقصر، وهي الفضاء الذي تتوزع منه المداخل الجانبية.

أما على الجانب الأيسر، فيوجد مسجد القصر وعلى يمينه البرج الحفصي القديم (نسبة إلى الحفصيين الذين حكموا تونس من 1228 إلى 1573) وهو النواة الأولى للقصر.

وبحسب محافظ المتحف، فإن الفضاء الداخلي مرتب وفق التسلسل الزمني بداية من التاريخ القديم مرورا بالتاريخ الأوسط والحديث وصولا إلى التاريخ المعاصر.

ويضيف المحافظ أن القاعة القديمة تلخص تاريخ البلاد خلال العهود القديمة بدءا من تاريخ السكان الأصليين البربر مرورا بالعهد القرطاجي والروماني والوندالي، وصولا إلى العهد البيزنطي.

بينما تقدم القاعة الإسلامية لزائرها لمحة عن أهم الفتوحات الإسلامية والحكم الإسلامي للبلاد خلال العهود الوسطى. أما فترة التاريخ الحديث، فهي مخصصة للعهد العثماني (1574-1881)، وتحتوي على أسلحة وملابس ونماذج من المدافع والسفن وصور ووثائق عن ذلك العهد.

ويشير الشامي إلى أن هناك قاعات أخرى خُصّصت لتاريخ الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة، والنواة الأولى للجيش التونسي منذ 1956، وتحتوي إلى جانب بعض المعروضات التي تعكس تكوين الجيش الوطني، صورا حول معارك الجلاء التي خاضها الجيش الوطني (يوليو 1961 بمدينة بنزرت شمال تونس)، ووثيقة سمعية بصرية حول تكوين الجيش وأنشطته في السنوات الأولى للاستقلال، وصولا إلى دوره في أحداث ثورة يناير 2011.

ويضيف الشامي، أن الفضاء الداخلي للمتحف يحتوي على قاعة أخرى تضم أسلحة القرن الـ19، وهي مخصصة لمشاركة الجيش التونسي في حرب القرم إلى جانب الدولة العثمانية ضد روسيا القيصرية (1853-1856) إضافة إلى أسلحة أخرى عاد بها

تونسيون من تلك الحرب. ولفت محافظ المتحف إلى أن “تأثيث القاعة وصياغتها تما بالتعاون مع الجيش التركي، حيث تم جلب نسخ من الملابس الموجودة بالمتاحف التركية”.

20