"متحف منتصف الليل" شخصيات الرواية تتمرّد على المؤلف

الجمعة 2014/07/11
القطراني أراد أن يؤكد على رؤية واحدة للقدر والنهايات، وأن الفرد هو من يختار قدره بذاته

البصرة ـ يستثمر القاص العراقي باسم القطراني تقنية الميتاسرد في روايته “متحف منتصف الليل”، ليقطع صلته، كما يصرح سارد الرواية، بـ”هذا الركام من الكلاسيك في الكتابة” وليطلق “رصاصة الرحمة على المألوف في عصر تهاوت فيه الأيديولوجيات الواحدة تلو الأخرى”، وبهذا المعنى فإن هذه الرواية تنتمي إلى تيار ما بعد الحداثة الذي يعمد بوعي كتابي إلى تفسير تقنيات السرد في النص ويطرح أسئلة عن علاقة النص المتخيل بالواقع المعيش.

تبدأ أحداث رواية “متحف منتصف الليل”، بوصف عام لقرية المؤلف صابر فياض “مجنون”، وهي من القرى الواقعية اسما وما تحويه أرضها من نفط غزير، غير أن السرد ينعطف فجأة ليصوّر مشهدا فانتازيا يلتقي فيه المؤلف بكائنات روايته” مجنون في مجنــون “على شكل كائنات صغيرة ناطقة.

وهي تعترض على مصائرها التي وضعها لها المؤلف، وهي تنذره أنها ستغادر صفحات الرواية إذا بقيت مصائرهم كما هي، وهو مدخل مشجع لمتابعة السرد، ويتلخص اعتراض شخصيات الرواية على مؤلفها بأنه أسند إليها أدوارا لا ترغب فيها وتلاعب بحياتها بالشكل الذي لا يوافق أمزجتها وطموحها.

يقول حردان، أحد شخصيات الرواية: “أنا أكثر خسارة، جعلتني أخاف حتى من ظلي بعد أن مارست دوري كبعثي سابق ثم انخرطت بعد أحداث عام 2003 في منظمة اليونيسيف بمساعدة أحد رفاقي في الحزب”، أما سميرة فكان اعتراضها بأنها لا تستسيغ فكرة “البعثية المجرمة التي تخطف الأطفال وتسلمهم إلى عشيقها فرهاد ليستدرج ذويهم من أجل حفنة دولارات”.

ثم تعترض على دفعها في الرواية لقتل ابنها المنغولي خنقا “مع أني لم اقتل فأرا في حياتي”، ثم تقول:” ليس من العدل أن تعاملني بهذه الطريقة، أكل هذا لأني امرأة”، أما اعتراض الشخصية الرئيسية الثالثة في الرواية “فرهاد محمد خان” فيتلخص في أن المؤلف وصمه بعقدة الفشل مستثمرا طلاق أمه وإهمالها تربيته”.


إيهام القارئ


ودخول المؤلف أو من ينوب عنه هنا، يدخل ضمن كسر إيهام القارئ بأن الأحداث التي يسردها المؤلف ليست أحداثا واقعية، فليست “مجنون” قرية من قرى البصرة، تقع إلى الشمال الشرقي من المدينة، بل هي قرية افتراضية يستقرّ تحت باطن أرضها بحر من النفط “ليجعلها ربما الأثرى بين القرى في العالم”، بينما يظل أهلها “ينتمون إلى عصور موغلة في الفقر والغرابة”، وهي الموطن الذي يسكنه معلم القرية والكاتب صابر فياض.

استثمر الروائي باسم القطراني التاريخ المشخص لعام 2005، ليكشف دراما الحياة العراقية إبان الاحتلال الأميركي

على الرغم من وجود تاريخ محدد لزمن الأحداث (28 /3 من عام 2005) إضافة إلى أسماء المناطق السكنية في البصرة أو الفنادق المعروفة في بغداد.

إلا أن السارد الرئيسي صابر فياض سيجعل هذا التاريخ في خانة الأماكن الافتراضية والخيالية، حين تتحول كتب مكتبته وروايته المنجزة منذ عام 2003 إلى مجرد أوراق “لا تصلح الآن سوى أن تكون ملفوفات لبذور عباد الشمس”، وتصبح حروف هذه الكتب “كائنات بحجم قبضة اليد تتسلل من بين طيات الكتب المرصوفة في المكتبة”، وكل ذلك من أجل أن يصل صابر فياض وكيل المؤلف إلى “تتبع ذلك الأثر الذي يقربه من وهم الحقيقة أو حقيقة الوهم”، ولكي تتحول الأحداث السابقة واللاحقة إلى مجرد خيال ليست له علاقة بالحقيقة الماثلة في العام الكابوسي الدامي بالعراق عام 2005؟

ويستمر تدخل المؤلف بشخصه أو من ينوب عنه في الأحداث القادمة مرة لينشر الطمأنينة في نفس سميرة، ومرة للتدخل في إنقاذ الصبي وعد من مختطفه الملثم، وفي مكان آخر من الرواية يصل إلى درجة التماهي مع الشخصيات الورقية التي خلقها “كادت قواي تخور لتجعلني أتسلل فأكون قربهم أواسيهم أهدّئ من روعهم إلا أني خشيت على نفسي من ذلك الثور الهائج حردان”، ويأتي قطع حركة السرد في كل مرة من قبل المؤلف باستثمار ضمير المتكلم خلافا لبقية الشخصيات التي تسرد حركتها والأحداث التي تصاحب حركتها من قبل سارد متخف خلف الشخصية ويفكر من خلال وجهة نظرها.


لعبة روائية


اعتماد هذه التقنية وإدامة حضورها، يعني أن الروائي باسم القطراني يعمد إلى خلخلة العالم الواقعي وإحالته إلى حكاية خيالية أي مجرد لعبة روائية، بهدف إقرار هيمنة النسق الخيالي على سطح الرواية ليموه على كثافة الأحداث ومأساويتها ودمويتها، تاركا فسحة كبيرة من التأمل والبحث عن تأويل لهذا العالم الذي يطفح بالقتل والدناءة واستبدال للهويات استجابة للمصلحة الذاتية.

فسحة كبيرة من التأمل والبحث عن تأويل للعالم

سنلاحظ أن النسق المهيمن الذي حددنا ملامحه، واعتراض شخوص الرواية على أدوارها في الرواية لم يمنع من إخفاء نزعة الشر المسيطرة على شخوص الرواية، وهي نزعة أصيلة فيها وقد استطاع الروائي أن يجسدها بهذا التكثيف العالي وبعدد محدود من الشخوص الروائية، وكأن هذه الشخصيات مؤهلة للقيام بأدوارها هذه على أحسن وجه، وكل ذلك ينبه إلى اشتغال نسق متوار، يعمل على استثمار “مراوغة التاريخ”، ليس “لشد انتباهه للرواية وليس العكس”، كما يصرح المؤلف في اعتذاره في نهاية الرواية بل لاستثمار فترة تاريخية محددة في التاريخ العراقي المعاصر (عام 2005) وفحص ما جرى فيها من أحداث دامية.

لقد تمت استجابة المؤلف لاعتراضات شخوصه، لكنه في النسخة الثانية من الرواية أو الرواية الجديدة، لم يستطع أن يسند إليهم أدوارا إيجابية تجاه عالم الناس.

في الفصل الثاني أو الأول في الرواية المنقحة، يسرد الراوي العليم انخراط فرهاد محمد خان في تنفيذ عملية فدائية ضد العدو الصهيوني، مع مجموعة من الفدائيين، كان ذلك عام 1978، وبعد فشل العملية، يوارى فرهاد التراب في أرض غريبة عليه، مع رغبة حارقة من صديقه حردان ليرقد معه إلى الأبد، غير أن تدخل المؤلف في نهاية هذا الفصل بإعلان ما سيأتي لاحقا سيعطي حردان أملا في لقاء صديقه في الحلم أو في مكان آخر.


ذبح وخمر


ابتداء من هذا الفصل سنكتشف انخراط فرهاد في العمل التجسسي لصالح الصهاينة، ثم تحوله إلى قائد (ذباح) ضمن ما يسمى بالفصائل الإسلامية الجهادية، ومن خلال تقريب صورته نراه يذبح ضحاياه بدم بارد بعد أن يحتسي قنينة من الخمر، وخلال ذلك يلتحق به صديقه حردان لتكتمل صورة الشر المجسدة في هاتين الشخصيتين وانخراطهما في أعمال الشر كطبيعة قارة لا يمكن تغييرها.

لقد استثمر الروائي باسم القطراني التاريخ المشخص لعام 2005، ليكشف دراما الحياة العراقية إبان الاحتلال الأميركي كما فعل معظم من كتبوا رواياتهم بعد التغيير، ولكنه لم يكتف بتكثيف الأحداث الدامية المتمثلة بالتفجيرات والخطف والقتل على الهوية، بل إنه عمد إلى إضاءة طبيعة من يقف وراء هذه الأحداث الدامية متتبعا التاريخ الشخصي لكل شخصية ومستثمرا قسوة الحياة على شخوصه، التي تجعل انتماءاتهم محكومة بتغيرات الحياة وليست ضمن مبادئ ثابتة وقارة.

15