متخصصون ينصحون بحمية لتحديد استهلاكنا اليومي من الضوضاء

أكثر ما يصيب المرء بالإزعاج ضمن ملامح الحياة اليومية العصرية هو الضجيج، الذي يبدو أحيانا كلعنة تطاردنا أينما حللنا، في الشوارع المزدحمة بالسيارات وأبواقها، في محطات انطلاق القطارات والمسافرين المزعجين، في بيوتنا التي قد تكون متاخمة للمطارات وغيرها الكثير من المنبهات العصرية المزعجة، التي يبدو أن لا فكاك منها إلا بالانتقال للعيش في كوكب آخر أخضر اللون خال من المنكهات والكائنات التي تطلق أصواتا مزعجة أيا كان نوعها.
الأربعاء 2015/06/10
نوع الضجيج وليس مستواه هو ما يعول عليه غالبا في التأثير على الأفراد

بعض المتخصصين في الشؤون الإنسانية طفح كيلهم، فقرروا استنفار طاقاتهم الحسابية والعمل على تجهيز جداول نظامية للحمية، هذه الحمية لا تتعلق -بالطبع- بتقليص استهلاك السعرات الحرارية في الغذاء، وإنما حمية لتحديد استهلاكنا اليومي من كميات الضوضاء!

الضوضاء المفرطة لا تتسبب في إزعاج دائم لجهازنا السمعي والعصبي، إنما يمتد تأثيرها ليشمل الصحة العامة، حيث شخص باحثون العلاقة الوثيقة بين أمراض خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب، السكتة الدماغية والسمنة، مع تسارع وتيرة الضجيج الذي تفرضه علينا أساليب ووسائل العصر الحديث، حيث وجدت دراسة دنماركية سابقة نشرت نتائجها في مجلة “القلب” الأوروبية، بأن الضوضاء تتسبب في زيادة خطر حدوث السكتة الدماغية لدى من تزيد أعمارهم عن 65 عاما، بمقدار الربع، في حين وجد باحثون في “إمبريال كوليج لندن” و“كينجز كوليج لندن”، أن الناس الذين يعيشون بالقرب من المطارات أكثر عرضة من غيرهم لحدوث حالات الوفاة المبكرة.

وفي دراسة حديثة، تم التطرق للمرة الأولى إلى تأثير الضوضاء الناجمة عن حركة المرور على الطرق الخارجية والداخلية، في زيادة نسبة السمنة بين الأفراد، إذ وجد باحثون من معهد كارولينسكا في السويد أن الناس الذين يعيشون في مناطق تضج بالزحام المروري الخانق كذلك من يعيشون بالقرب من محطات القطار وبالقرب من مسار الرحلات الجوية، عرضة للزيادة في الوزن خاصة في منطقة الخصر مقارنة بالأفراد الذين يعيشون في مناطق سكنية هادئة بعيدة عن ضجيج المدنية.

ويرى ستيفن ستينسفيلد، أستاذ الطب النفسي في كلية كوين ماري-جامعة لندن، أن الضوضاء تعمل على رفع الضغوط العصبية، حيث تؤثر في النظام العصبي للجسد عامة، إضافة إلى تغيير مستوى وطريقة عمل الهورومونات فيه، فالجسد مبرمج تلقائيا للاستجابة للضوضاء خاصة عندما تكون عالية الشدة مع وقوع الأفراد تحت ضغوط نفسية مسبّقة، يترتب عنها فرز الجسد لمجموعة من الهورمونات الدفاعية “المكافحة” للتخلص من الخطر المتمثل في نوع معين من الضوضاء، منها الكورتيزول والأدرينالين مثلا، إلا أن هذه الهورومونات تسهم في الوقت ذاته في ارتفاع نبضات القلب وضغط الدم وتحفيز عمل الدهون استجابة لحالة الطوارئ هذه.

الناس الذين يعيشون في مناطق تضج بالزحام المروري الخانق عرضة للزيادة في الوزن خاصة في منطقة الخصر

من جانبها، تشير الدكتورة آن هانسل، اختصاصية علم الأوبئة البيئية في مركز الصحة والبيئة، في أمبريال كوليج لندن، إلى أن الضجيج من شأنه أن يؤثر على النوم أيضا وبدوره يتسبب في ظهور أعراض منها الاكتئاب والتعب طوال النهار، إذ أن هذا الضجيج حتى في أدنى مستوياته قد يكون سببا مباشرا في تعطيل عمل خلايا الجسد، خاصة التي تضطلع بالوظائف الحيوية مثل عمليات الأيض والترميم ما يؤدي إلى موتها.

وعلى العموم، فإن نوع الضجيج وليس مستواه هو ما يعوّل عليه غالبا في التأثير على الأفراد، فبعضهم قد يجد في صوت طنين الثلاجة أمرا مزعجا للغاية، في حين يتضايق الكثيرون من صوت بكاء الطفل، وبالتالي فإن معظم التقييمات الفردية فيما يتعلق بموضوع الضجيج تنبع من نظرة ذاتية، فصراخ الطفل وضجيج لعبه قد يكونا أمرين محببين للأم والأب لكنهما أمران مزعجان -بالتأكيد- للجيران.

وتؤكد الدكتورة هانسل أنه لا وجود لحدود آمنة للتلوث السمعي، وبأن هنالك بعض الأشخاص أكثر حساسية من غيرهم لهذا التلوث وبالتالي أكثر عرضة لمضاعفاته الخطيرة على الصحة.

بعض أنواع الضجيج قد تتعدى بكثير التقييم الفردي إلى الشأن العام، ووفقا للمؤسسة الخيرية لحماية البيئة في المملكة المتحدة، فإن الضجيج المروري يعد من أهم أشكال التلوث الضوضائي، حيث يؤثر في 30 بالمئة من العدد الكلي للسكان.

مستوى بسيط من الضجيج قد يتسبب في بعض العوارض المرضية البسيطة كالقلق والأرق
وتشمل أنواع الضجيج في الشارع: أبواق السيارات، صوت المحركات، أصوات الموسيقى الصاخبة، صفق الأبواب وصرير مكابح السيارات، كما يعادل الضجيج المتولد في تقاطع شارع مزدحم الأصوات المنبعثة جراء الحركة داخل مصنع، وهذا الصخب من شأنه أن يرفع مستوى هورمون الكورتيزول إلى أقصى مستوياته، ثم تتبعه زيادة في معدل ضربات القلب وضغط الدم.

ووفقا لتقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية بهذا الخصوص، فإن الأصوات يمكن أن تؤثر بصورة سلبية على الأفراد حتى في نومهم، فمستوى بسيط من الضجيج بما يعادل الضجيج المترتب عن مرور خمس سيارات في الشارع المجاور، قد يتسبب في بعض العوارض المرضية البسيطة كالقلق والأرق.

وينصح متخصصون الناس الذين يسكنون في أماكن مزدحمة بوضع سدادات الأذن أثناء النوم، إضافة إلى تركيب نوافذ من النوع المزدوج خاصة في الأماكن المجاورة لمحطات الباصات أو ممرات النقل الجوي، مع اختيار غرف النوم في الأجزاء الخلفية من المنزل التي لا تطل مباشرة على الشارع.

21