متشددون شيعة يقتحمون مقامات ايران تحديا لاغلاقها بعد كورونا

قرار إغلاق المزارات المقدسة في إيران بسبب فايروس كورونا يكشف وجود أزمة سياسية ومجتمعية مركبة فاقمها سلوك السلطات في التعاطي مع الوضع.
الأربعاء 2020/03/18
المراقد قبل الصحة

القرار الإيراني بإغلاق المزارات الشيعية المقدسة في مشهد وقم تفاديا لانتشار فايروس كورونا، أثار غضب عدد كبير من المتشددين الذين اعتبروا أن كل مبررات الإغلاق لا يمكن أن تكون عذرا لانتهاك حرمة المزارات. وهو تفاعل أشر على وجود حالة مجتمعية ودينية متفشية نجح النظام الإيراني في تأصيلها وتثبيتها طيلة عقود.

طهران- شق متشددون شيعة في إيران طريقهم إلى باحات مزارين رئيسيين تم إغلاقهما بسبب مخاوف من تفشي فايروس كورونا الجديد، حسب ما ذكرت وسائل الإعلام الإيرانية، الثلاثاء، في الوقت الذي استمرت فيه الجمهورية الإسلامية في كفاحها للسيطرة على أسوأ تفشي للمرض في منطقة الشرق الأوسط.

ويأتي ما يقارب تسع حالات من أصل 10 حالات من مجموع 17 ألف حالة للفايروس الجديد المؤكدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط من إيران، حيث نفت السلطات طيلة الأيام الماضية خطر تفشي المرض. ونفّذ المسؤولون الآن فحوصات جديدة للأشخاص الذين يحاولون مغادرة المدن الكبرى قبل عيد رأس السنة الفارسية، عيد النوروز، الجمعة، لكنهم ترددوا في عزل المناطق.

وأعلنت إيران قبل يومين إغلاق المزارات والمراقد الدينية في مدينتي مشهد (شمال شرق البلاد) مركز محافظة خراسان رضوي ثاني أكبر مدينة في إيران بعد طهران، وفي قم الواقعة في جنوب محافظة طهران. إلا أن هذا القرار لم يعجب عددا من المواطنين الذين عمدوا إلى كسر باب مرقد “معصومة” في مدينة قم، تعبيرا عن اعتراضهم لإغلاقه، وعرفت مدينة مشهد التي تضم العديد من المزارات والمراقد المهمة بالنسبة للشيعة، مظاهر مماثلة من رفض القرار، وذلك بعد اعتراضات سابقة لرجال دين أخرت إغلاق تلك المراقد في وقت سابق، على الرغم من ارتفاع أعداد الإصابات بفايروس كورونا في البلاد، فضلا عن عدد الوفيات.

ومساء الاثنين، اشتبكت الشرطة الإيرانية مع المحتجين على إغلاق مرقد الإمام الرضا في مشهد، بعد كسر الأبواب والحواجز.

وفي المقابل، أدان مرکز إدارة الحوزات العلمیة في إیران، في بيان تلك التصرفات بحسب ما أفادت وسائل إعلام محلية الثلاثاء. واعتبر أن “إغلاق المرقد أمر صعب ومؤلم، ولكن لا شيء يمكن أن يكون عذرا لانتهاك حرمته”.

أبواب موصدة
أبواب موصدة

وفي وقت متأخر من ليل الاثنين الماضي، اقتحمت حشود غاضبة باحات ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد ومزار فاطمة المعصومة في مدينة قم. عادة ما تصلي الحشود هناك 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، وتلامس الضريح وتقبله. لكن هذا أثار قلق المسؤولين الصحيين، الذين أمروا لأسابيع رجال الدين الشيعة في إيران بإغلاقها.

وقال أحد رجال الدين الشيعة، صائحا، في ضريح مشهد في مقطع فيديو نشر على الإنترنت “نحن هنا لنقول إن طهران مخطئة تماما للقيام بذلك!”. وانضم إليه آخرون في الترديد “وزير الصحة مخطئ في فعل ذلك، والرئيس مخطئ في فعل ذلك”.

المفارقة أن المواطنين لا يتجرؤون على نقد النظام علانية، إلا حين يتعلق الأمر بالمراقد الشيعية المقدسة، ما يجعلهم يشعرون بأن “النقد” يمتلك بعض الوجاهة تحميهم من التبعات.

وذكرت وسائل الإعلام الحكومية أن الشرطة قامت بتفريق الحشود في وقت لاحق. ووصفت السلطات الدينية، ومعهد قم البارز، المظاهرة بأنها “إهانة” للضريح في بيان، داعية المؤمنين إلى الاعتماد على “الحكمة والصبر” طوال فترة الإغلاق.

يشار إلى أن الأضرحة الإيرانية تجذب الشيعة من جميع أنحاء الشرق الأوسط للحج، مما يسهم على الأرجح في انتشار الفايروس في جميع أنحاء المنطقة. وكانت المملكة العربية السعودية أغلقت في وقت سابق أقدس مواقع الإسلام خوفا من انتشار الفايروس.

وقال الرئيس حسن روحاني، الثلاثاء، بعد عمليات إغلاق المزارات الدينية، “إن روحنا أقرب إلى القدّيسين أكثر من أي وقت مضى”. وأضاف “الابتعاد الجسدي هذه الأيام عن العتبات المقدّسة والأماكن المباركة بسبب الاحتياطات الصحيّة جعل القلوب أقرب إلى هذه الأماكن أكثر من أي وقت مضى”.

وأفاد التلفزيون الرسمي بأن إيران نشرت فرقا لفحص المسافرين الذين يغادرون المدن الرئيسية في 13 محافظة، بما في ذلك العاصمة طهران. لكن إيران لديها 31 محافظة والسلطات لم تتخذ خطوة لتأمين البلاد كما هو الحال في دول حليفة مثل العراق ولبنان.

المواطنون لا يتجرؤون على نقد النظام إلا حين يتعلق الأمر بالمراقد الشيعية، ما يشعرهم أن النقد يمتلك وجاهة تحميهم من التبعات

تتحقق الفرق من درجات حرارة المسافرين وسترسل الأشخاص المصابين بالحمى إلى مراكز الحجر الصحي. تحث إيران الناس على البقاء في منازلهم، لكن الكثيرين تجاهلوا هذه الدعوات.

وقال المتحدث باسم القضاء، غلام حسين إسماعيلي، الثلاثاء، إن إيران فيما يبدو من مساعيها للحد من انتشار الفايروس، أفرجت عن 85 ألف سجين في إجازة مؤقتة. وقال إن ذلك يشمل نصف جميع السجناء المرتبطين بقضايا الأمن، دون أن يخوض في تفاصيل أخرى. ودعت الدول الغربية إيران إلى إطلاق سراح مواطنين مزدوجي الجنسية وغيرهم ممن يُعتقد أنهم محتجزون كأوراق مساومة في المفاوضات.

وكان من بين المفرج عنهم محمد حسين كروبي، نجل زعيم المعارضة مهدي كروبي، الذي ظل في السجن لمدة شهرين تقريبا.

وكشف قرار إغلاق المزارات المقدسة في إيران، وما صحبه من غضب شعبي ومن تصريحات رسمية، وجود أزمة سياسية ومجتمعية مركبة، فاقمها السلوك الإيراني الرسمي في التعاطي مع هذه الأزمة أو قبلها، وهي أزمة تشي بدورها بوجود حالة متفشية من الجهل ساهم النظام نفسه في صنعها وتأبيدها داخل فئات المجتمع. وهو ما يفسر إصرار الكثير من المتشددين على اقتحام المزارات الدينية رغم أن قرار الغلق نابع من ضرورات صحية أكيدة.

13