متشيعون سوريون يستبدلون المظلومية بالغلبة

ما عملت إيران على تحقيقه بأدوات ناعمة بات يتحقق الآن بكافة الوسائل، فقد استطاعت خلق بيئة ثقافية ودينية جديدة.
الخميس 2018/05/17
شارع إيراني في دمشق

موجة غضب واسعة عمت الشارع السوري وفي بيئات النظام إثر انتشار فيديو ظهر مؤخرا من قلب العاصمة دمشق لأحد أبناء شيعة سوريا، زين العابدين مراد، الذي يتوعد خلال تشييع أحد القتلى بالانتقام وبحرق دمشق وساكنيها وسط جمع لعناصر من الميليشيات الشيعية تشاركه الهتافات الطائفية.

هذه الحادثة التي تمثل ظهور نسخة جديدة أو متجددة من خطاب تنظيم داعش ذات لبوس “شيعي” طائفي، تم اعتبارها من قبل النظام السوري حادثة فردية وتمت معالجتها باعتقال الشاب منعا للفتنة، لكنها فتحت أبواب التساؤلات حول تحولات الشيعة المحلية وخروجها عن حيز المألوف المجتمعي خاصة أنها أتت عقب طقوس ومظاهر دينية طائفية لم تشهدها سوريا سابقا، بدأ من العبارات الطائفية وأغاني الثارات الحسينية بدلالاتها الطائفية التي انتشرت على الحواجز العسكرية وبين الشباب السوريين من غير الشيعة لتصير رمزا لتأكيد الولاء للنظام في مناطق سيطرته بالإضافة إلى طقوس اللطم التي خرجت من الصورة المصغرة داخل مساجدهم وبيوتهم وأماكن تواجد الشيعة في دمشق كالسيدة زينب وحي زين العابدين لتصل إلى ساحات المسجد الأموي في ذكرى عاشوراء والتي شكلت في حينها استفزازا واضحا للمجتمع الدمشقي الذي تآلف مع الوجود التاريخي للأقلية العربية الشيعية، وامتزاجها وتداخلها مع المجموعات الأخرى، ناهيك عن ارتباطها بعلاقات مصاهرة وتزاوج مع الطوائف المسلمة الأخرى.

لم يندفع المجتمع الشيعي المحلي في الفترات الماضية نحو اتخاذ أي صبغة خاصة تميزه على صعيد المظاهر الاجتماعية والدينية عن بقية المجتمع واستمر كغيره من الأقليات بممارسة حقوقه الدينية في إطار التدين المحافظ، وينأى عن السياسة كأي جزء من المجتمع السوري المغيَّب عن المشاركة السياسية، وذلك رغم إعلان الخميني تصدير الثورة الإسلامية، والعلاقات الجيدة والتحالف الاستراتيجي الذي ربط البلدين منذ العام 1980 في عهد الرئيس حافظ الأسد وسماحه بدخول سوريا مضمار التبشير الشيعي عبر تشجيعه للتحول العلوي باتجاه الأصول الشيعية على المستوى الشرعي والفقهي وترسيخ خصوصية الطائفة العلوية بحماية فارسية، وإنشاء جميل الأسد (الشقيق الأكبر لحافظ الأسد) في العام 1981 لجمعية “الإمام المرتضى” بواجهة اجتماعية ومهمات طائفية من أجل إظهار أن العلويين ينتمون إلى المجتمع الأكبر من الشيعة وليسوا أقلية، و”الإغراءات المادية المختلفة” التي استخدمتها المستشارية الثقافية الإيرانية -الملحقة اسميا بالسفارات الإيرانية والتابعة فعليا لسلطة مكتب المرشد الأعلى في طهران- لاستقطاب مئات السوريين من الأسر الفقيرة.

ودخلت العلاقات السورية الإيرانية مرحلة مختلفة حيث ازداد عدد الحوزات العلمية وأنشئت بين عام 2001 وحتى عام 2006 في قرية “السيدة زينب” بدمشق 12 حوزة علمية و3 كليات للتعليم الشيعي. كما حصلت أول جامعة إسلامية شيعية متخصصة بالعلوم الدينية على ترخيص أمني للعمل داخل سوريا في 2003، وكان لفكرة المقاومة التي جاء بها حزب الله المرتبط عقائديا واستراتيجيا بإيران دور كبير في القبول المجتمعي لأفكار الشيعة وتحديدا مواجهة المشروع الصهيوأميركي، وبدا ظهور النفوذ الإيراني أكثر وضوحا على صعيد المواقف السياسية الرسمية وعلى صعيد المجتمع، فانتقلت وفقها ظاهرة التشيّع من الظاهرة الدينية إلى مشروع سياسي يناسب السياسة الإيرانية في بناء مشروعها القومي الفارسي بغطاء ديني، وانتقلت الشيعة المحلية نحو تعويض أقليتها العددية بتكوين عصبية طائفية خاصة بها.

عقب قيام الثورة السورية والدخول الإيراني لدعم النظام ضد الإرهاب “السنيّ” والتيارات الجهادية، ساندت الشيعة المحلية النظام وتطوع شبابها في مجموعات مدنية وعسكرية أقامت حواجز أمنية في مختلف الأحياء، أو التحقت بالميليشيات الشيعية السورية كحزب الله السوري وجيش المهدي وغيرهما من الفصائل الموالية لإيران أولا، إضافة إلى ميليشيات شيعية تحمل جنسيات إيرانية وأفغانية وعراقية وباكستانية ولبنانية في سوريا وجميعها تهدف لإعادة التوازن وترجيح الكفة لصالح النظام، وتحولت المقامات الشيعية في سوريا إضافة لموقعها الديني والسياسي إلى مواقع عسكرية بذريعة الدفاع عنها، فضلا عن استمرار إيران بمتابعة النشاط الدعويّ العلني مستغلة الأزمة البنيوية وإشكالية علاقة الدولة بالهوية الوطنية، لكسب المزيد من المتشيعين الجدد والعمل على تعزيز الفرقة المجتمعية.

ما عملت إيران على تحقيقه بأدوات ناعمة بات يتحقق الآن بكافة الوسائل، فقد استطاعت إيران خلال السنوات السبع الماضية خلق بيئة ثقافية ودينية جديدة لصناعة جمهورها من شيعة ومتشيعين سوريين استبدلوا المظلومية بالغلبة، ويقدمون ولاءاتهم السياسية لإيران أولا التي أثبتت أن تدخلها لم يكن مقتصرا على دعم النظام بل تأسيسا لمرحلة النفوذ الدائم وتكريسه كشكل قائم في مستقبل سوريا كدولة.

13