متصوف يختار بائعات هوى ليصبحن شريكاته في الكرامات

السبت 2017/05/13
التاريخ ممزوج بالخيال الصوفي

الرباط - يعود الكاتب المغربي أحمد التوفيق في طبعة جديدة من روايته “جارات أبي موسى” إلى القرن الرابع عشر، وتحديداً إلى فترة الحكم المرينيّ ليروي عن تلك الفترة المضطربة في تاريخ المغرب، مازجاً التاريخ بالخيال الصوفيّ من خلال شخصية أبي موسى صاحب الكرامات.

الرواية، الصادرة عن المركز الثقافي العربي، تكتب تلك المرحلة بكل تفاصيلها، وأعرافها الاجتماعية، ونمط الحياة فيها، تبدأ مع شخصية شامة الخادمة في بيت قاضي المدينة، فتتبع مختلف مراحل حياتها: زواجها من قاضي السلطان وسفرها معه ضمن حملة السلطان إلى الأطراف الشرقية لقمع التمردات، ثم وفاته غرقاً في البحر.

تعرض الرواية عودة شامة إلى مدينتها وزواجها من جديد بعلي سانشو، الأندلسي الذي أسلم، بالإضافة إلى معاناتها من مكائد أحد رجال السلطان الذي كان طامعاً بوصالها، وحتى انتقالها مع زوجها للعيش في “فندق الزيت”، هناك حيث ستلتقي بأبي موسى وستنمو حبكة الرواية وتتطور. يشكّل “فندق الزيت” المكان الأكثر بروزاً في الرواية، إنه المكان الذي سيجمع أبا موسى الرجل المتصوف، وشامة المرأة الطيبة الصادقة وزوجها علي، وخوليا وأباها التاجر الأندلسي النصراني، وتودة المرأة الأربعينية الخرقاء، ولكل شخصية من هذه الشخصيات مسارها الخاص الذي يتقاطع مع مسارات باقي الشخصيات ضمن سرد تصاعدي في حبكة العمل.

غير أن الكاتب يدخل إلى الرواية ست نساءٍ يأتين إلى المدينة من أماكن مختلفة، ويقطنّ في الفندق نفسه، ويعملن كبائعات هوى تحت إمرة تودة، ولكل واحدة من هؤلاء حكايتها التي يخصص لها الكاتب فصلاً قصيراً يكثف فيه أبرز أحداث حياتها حتى وصولها إلى هذا المكان. فالرواية مليئة بالحكايات الفرعية التي تتناسل من بعضها البعض لتضخّ المزيد من الحيوية في النص.

ونلفت إلى أن أحمد التوفيق يرسم من خلال عرضه لبقية الشخصيات شخصية أبي موسى بهدوءٍ وتأنٍ، إنه الرجل الزاهد في الدنيا، المتعبد، صاحب الكرامات التي يوظفها لخدمة المظلومين، ومساعدة المحتاجين، وإليه تنسب أمور عجائبية يتناقلها الناس فيما بينهم، ويؤمنون بها.

تبلغ الرواية ذروتها ومستقرها النهائي حين تعاني المدينة من شحٍّ طويل في الأمطار، ولا تنفع الصلوات ولا الأدعية في إنهائه. وتقدّم من خلال حياة الشخصيات صورة عن فترة حكم بني مرين للمغرب، تلك الفترة التي اتسمت بكثرة الصراعات الداخلية والخارجية وازدياد الاستبداد والظلم والفقر، وفرض الحكّام الضرائب الباهظة على الناس، وما عانوه بسبب ذلك.

نجح الكاتب في كتابة تلك الفترة، لا من حيث بحثه التاريخي عن أحداث ذلك الزمن وأجوائه ونقلها فحسب، بل وأيضاً باستخدامه لغة مناسبة، سواء بمفرداتها أو بصياغتها، لروح ذلك العصر.

16