متطرفو الهندوس يؤججون الكراهية ضد المسلمين لتحقيق مآرب سياسية

الثلاثاء 2014/10/21
المتشددون الهندوس ما فتئوا يمارسون أعمالا معادية لمواطنيهم المسلمين بإيعاز من أطراف سياسية متطرفة

نيودلهي - المزيج الطائفي والديني والعرقي الكبير الذي تحتويه الهند لم يؤثّر يوما على مبادئ السلام في هذه البلاد التي عرفت كيف تؤسس لتعايش سلمي بين أقلياتها على اختلاف مشاربها. غير أنّه اليوم أضحى مهدّدا أكثر من أيّ وقت مضى بفعل دعوات التمييز واختلاق الأكاذيب والروايات الزائفة من قبل بعض الهندوس المتطرفين، الذين تحركهم دوافع سياسية، من أجل إذكاء نار الفتنة ونشر مشاعر الكراهية ضد السكان المسلمين.

تقع قرية ساراو التي يظهر عليها البؤس على شارع زلج، في مكان ما بين حقول القصب في منطقة أوتار براديش شمال الهند.

كانت هذه القرية حتى وقت قريب، مكانا مهملا، لا يهتم به أحد، يعش فيه الهندوس والمسلمون جنبا إلى جنب بشكل جيد منذ عقود، ولكنها أصبحت منذ بضع شهور منطقة قلاقل، وذلك بعد أن ظهرت بذور الشقاق والخلاف بين أصحاب الديانتين، خاصة بعد أن زعم متطرفون هندوس في القرية حالة واضحة لما يسمونه “جهاد الحب”.

ويعني “جهاد الحب” لدى هؤلاء؛ أن رجالا مسلمين يتعمدون إغراء نساء من الهندوس قصد إيقاعهن في غرامهم، ثم يتزوجون منهنّ ومن ثمة تبدأ عمليات الضغط عليهن من أجل التخلي عن ديانتهنّ واعتناق الإسلام.

وحسب هذه التهمة الهندوسية فإنّ هذه الحملة، حملة “جهاد الحب”، تؤدي إلى تناقص عدد الهندوس في الهند، رغم أنّ الأرقام تفيد بأنّ أصحاب هذه الديانة يمثلون أغلبية واضحة في الهند، حيث لا يزيد تعداد المسلمين في الهند عن 180 مليون نسمة من بين إجمالي 1250 مليون نسمة من السكان.

وحسب رواية الهندوس، فإن فتاة هندوسية، تعرضت للحالة المشار إليها سلفا، قالت: “إنّه تمّ اختطافها ونقلها إلى عدة مدارس إسلامية، وتعرضت إلى الاعتداء الجنسي هناك، وعذّبت وأُجبرت على أن تصبح مسلمة رغما عنها”، على حدّ زعمها.

كما أضافت الفتاة، البالغة من العمر 20 عاما، أنّ مختطفيها وعدوها بمكان في الجنة إذا اعتنقت الإسلام، مشيرة إلى أنها “عندما علمت بأنه سيتم تزويجها من رجل عربي لاذت بالفرار”.

اليمينيون يلتقطون حالات فردية من الغش المحتمل والعداء للنساء ويلبسونها ألبسة دينية عدائية

هذه الرواية التي قصتها الفتاة، كانت قبل بضعة أسابيع. غير أنها توجهت الأسبوع الفارط لإبلاغ رجال الشرطة بأن شهادتها الأولى (سالفة الذكر) كانت خاطئة ومزيفة، وأنها تحب الرجل الذي رحلت معه، وأنّ أفراد أسرتها هم من أجبروها على الإدلاء بتلك الشهادة وتلك القصة المزعومة، لأنّهم لا يحبذون أن ترتبط بشخص مسلم. ثم اختفت المرأة منذ ذلك الوقت، وتملّك الغضب أبوها، الذي قال “إنّ ابنته تلقت تهديدات وتعرّضت لعملية غسيل مخ، وإنّ روايتها الثانية لا تعدو كونها مؤامرة”.

ورغم أنّ ملابسات القضية لم تتضح بعد بالشكل الكافي، إلاّ أن حزب الشعب الهندي “بي جي بي” (ذا التوجه القومي) والمنظمات اليمينية ذات الصلة به، تبنُّوا القضية (من وجهة نظر الأسرة وحسب رواية الفتاة الأولى).

وفي هذا السياق، رأت أتول شارما، رئيسة منظمة سانكالب لحقوق الأطفال في ولاية أوتار براديش، أنّ التعامل بهذا الشكل مع هذه الحالة يمثل منهجا متبعا في الهند، وأنّ “اليمينيين يلتقطون حالات فردية من الغش المحتمل والعداء للنساء ويلبسونها ألبسة دينية”، وأنهم يفعلون ذلك من أجل حصد أكبر قدر ممكن من أصوات الهندوس في الانتخابات، تلك الانتخابات التي تتعدّد أوجهها في الهند التي تعدّ أكبر ديمقراطية في العالم (من حيث الحجم والكم)، وكان آخرها الانتخابات المحلية التي أجريت في ولايتين هنديتين الأربعاء الماضي.

وحسب شارما فإن الكثير من المراقبين السياسيين اكتشفوا أن المتشددين أصبحوا يحتلون المزيد من المساحات السياسية منذ أن أصبحت الحكومة المركزية في نيودلهي تحت قيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي “وذلك من أجل ترسيخ حكم الهندوس”، وفق تعبير مقتبس عن جاسم محمد عضو منتدى الدراسات والبحوث الإسلامية.

المتشددون أصبحوا يهيمنون على الساحة السياسية منذ أن أصبحت الحكومة المركزية تحت قيادة ناريندرا مودي

ومن جهتها، ترى ريهانا أديب، الناشطة في مجال حقوق النساء، أنّ ما يُعرف بـ”جهاد الحب” هو جزء من حملة أكبر، وأنّ اليمينيّين في الهند يُكافحون ضدّ الزواج بين أبناء الأديان المختلفة ولا يحذّرُون فقط من الزواج بمُسلمين بل يستبعدون المسلمين على سبيل المثال من حفلات الرقص.

وقالت أديب إنّ مجموعات من أمثال مجموعة “جار فابسي” الّتي تعني “العودة”، تُحاول إعادة الهنود الذين يعتنقون دينا مثل المسيحية أو الإسلام إلى الهندوسية، ومن بين هذه المنظمات أيضا منظمة المجلس الهندوسي العالمي.

وفي سياق متصل، لطالما عمد بالراج دونجار، أحد أعضاء منظمة المجلس الهندوسي العالمي، إلى التجوّل عبر أنحاء الهند المختلفة في إطار “حملة توعية”، محذرا من زواج الهندوسيات من المسلمين.

حيث قال دونجار، مؤخرا في إحدى محاضراته التي ألقاها في قرية ميروت التي لا تبعد كثيرا عن قرية ساراوا سابقة الذكر، “إنّ بعض هذه الزيجات يسفر عن إنجاب نصف دستة أطفال”، مضيفا: “إذا أصبح المسلمون أغلبية فسيحكموننا لا محالة”.

وفي هذا الإطار تشير حوادث عدّة، إلى أنّ مثل هذا التأجيج لطالما تحوّل إلى أعمال عنف، حيث قتل أكثر من 60 مسلما قبل عام خلال هجمات طالت السكان المسلمين في منطقة مظفر نجار، واضطر نحو 40 ألف مسلم إلى الفرار من منازلهم، وفقد العديد منهم، ومن بينهم الطفل منور مالك البالغ من العمر 12 عاما (ابن عائلة مسلمة)، الذي يفتقد أصدقاءه الهندوسيين منذ ذلك الحين.

هذه الحوادث المتكررة والتي لا تمتّ بصلة إلى قيم المحبة والتسامح ولا إلى قواعد التعايش السلمي التي كانت تسود أنحاء كثيرة من البلاد، جعلت الأطفال من أتباع الديانتين المختلفتين، الهندوسية والإسلام، يتجنبون بعضهم بعضا. حيث قال الطفل مالك: “لقد كنا نحتفل بالأعياد بشكل مشترك ونلعب الكريكت معا، ولكن ذلك انتهى، لقد أصبحنا اليوم نلعب في ساحات لعب مختلفة ولست أعلم لماذا؟”.

13