متطلبات الاستقرار والإعمار تدفع العراق صوب محيطه العربي بعد حرب داعش

كلا الطرفين، العراق ودول محيطه العربي، أمام اختبار تصحيح العلاقة بينهما وفتح صفحة جديدة من التواصل والتعاون والوفاق.. فعلى بغداد إثبات جدّيتها وقدرتها على الفكاك من الارتهان لطهران والتبعية لها. وعلى العواصم العربية إقناع العراقيين بشكل عملي، بفاعلية دورها في مساعدتهم على تحقيق الاستقرار والتنمية وتجاوز مخلّفات حرب داعش في بلدهم.
السبت 2018/02/03
هل يقدر العبادي على إمساك المعادلة الإقليمية الصعبة من مختلف أطرافها

بغداد - تتطلّع بغداد إلى تنفيذ الوعود التي قطعتها أطراف عربية بدعم العراق في مرحلته الدقيقة والانتقالية نحو المصالحة والاستقرار والتنمية، في ظلّ وجود مؤشرات إيجابية يحملها توالي الزيارات العربية الرسمية وغير الرسمية إلى العاصمة العراقية.

ويُنظر إلى مؤتمر المانحين لإعادة إعمار العراق الذي بدأت العاصمة الكويتية استعداداتها لاحتضانه بعد أقلّ من أسبوعين، باعتباره اختبارا عمليا مزدوجا: للدول العربية ومدى جدّيتها في احتضان العراق ومساعدته على تخطّي مخلّفات الحرب المرهقة على تنظيم داعش، ولحكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقدرتها على تعديل بوصلة العلاقات الإقليمية للبلد وإحداث التوازن في العلاقة مع كلّ من إيران وكبار منافسيها في المنطقة وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية.

وتقول مراجع سياسية عربية إنّ استعادة العراق إلى الحاضنة العربية بند مطروح بالفعل على أجندة كبار صنّاع القرار وتمّ التداول بشأنه بين كبار المسؤولين العرب في عدّة مناسبات.

ويرى مراقبون أنّ بعض البلدان العربية بما تمتلكه من مقدّرات مالية واقتصادية ستكون خلال فترة الاستقرار والإعمار في العراق أقدر من إيران على التأثير في الداخل العراقي، إذا ما أحسنت توظيف مساعداتها للبلد في ما يخدم إعادة بنائه بعد ما طال مناطقه من دمار كبير في الحرب ضدّ تنظيم داعش.

ومن أبرز الزيارات التي شهدها بغداد مؤخرا، زيارة وفد مصري رفيع يقوده إبراهيم محلب أحد مساعدي الرئيس عبدالفتاح السيسي.

وضم الوفد وزراء الصحة والاتصالات والتكنولوجيا ووزير القوى العاملة، إضافة إلى كبار مسؤولي عدد من الوزارات ورؤساء إدارة بعض الشركات المصرية ورجال الأعمال.

وبدا واضحا للمراقبين أهمية الزيارة التي أبرزتها وسائل الإعلام المحلية، وركزت على التفاصيل التي اشتملت عليها من لقاءات مع كبار المسؤولين وأبرز الوزراء في حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وفضلا عن رئيس الوزراء، ووزراء الكهرباء والتخطيط والتجارة والصناعة والزراعة، التقى محلب بالرئيس فؤاد معصوم، وزار مدينة الموصل، التي استكملت القوات العراقية استعادتها من تنظيم داعش صيف العام الماضي.

وعرض الوفد المصري على المسؤولين العراقيين، “تجربة القاهرة في إعادة بناء الدولة خلال السنوات الأربع الماضية”.

وخلال لقائه العبادي، سلّم محلب إلى رئيس الوزراء العراقي، رسالة خطية من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي “نقل فيها مباركته الانتصارات الكبيرة على الإرهاب”، كما أكد محلب “أهمية العلاقات بين البلدين والشعبين الشقيقين”.

وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن بغداد والقاهرة، “متفقتان على أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في إعادة إعمار العراق، خلال مرحلة ما بعد داعش”.

وبحسب مراقبين فإن “الوجود المصري القوي على أرض العراق، يمثّل رسالة دعم مباشرة للعبادي، ويساعده في تثبيت أقدامه”.

ويقول هؤلاء إن الانفتاح المصري الكبير على العراق حاليا، يأتي في سياق التوجه العربي نحو العراق الذي بدأته السعودية عبر سلسلة زيارات بين مسؤولي البلدين.

وقطعت الرياض خطوات كبيرة نحو إعادة تأسيس علاقاتها مع بغداد. واتخذت تلك الخطوات سمات دبلوماسية واقتصادية وسياسية وأمنية شاملة بإعادة افتتاح السفارة السعودية في العراق وإنشاء مجلس التنسيق السعودي العراقي ووضع برامج مشتركة لمراقبة الحدود بين البلدين وضبطها منعا لتسلّل العناصر الإرهابية. ورفدت السعودية خطوات تقاربها السريع مع العراق، مؤخّرا، بخطوة رمزية بالغة الدلالة تمثّلت في سحب ترشيح الرياض لتكون عاصمة للإعلام العربي 2018، لمصلحة بغداد “تقديرا لدور العراق في محاربة الإرهاب”، ما سهّل فوزها باحتضان هذه التظاهرة.

وقال مصدر سياسي إنّ زيارة الوفد المصري جاءت بمثابة مقدّمة لمشاركة مصرية كبيرة في مؤتمر المانحين لإعادة إعمار العراق، الذي تحتضنه الكويت الشهر الجاري.

وبحسب مصادر مقرّبة من مكتب العبادي، فإن “رئيس الوزراء العراقي يشعر بالارتياح إزاء الجدية العربية الموجّهة نحو دعم العراق في المرحلة المقبلة”.

ويمكن أن يلعب الدعم العربي للعراق دورا حاسما في موازنة النفوذ الإيراني في البلاد قبيل انتخابات حاسمة في مايو القادم. وشهدت الكواليس السياسية في بغداد تطورات متسارعة خلال الأسابيع القليلة الماضية، قادت إلى حشد معظم حلفاء إيران من العراقيين في تكتل سياسي واحد يستهدف منع العبادي من الحصول على ولاية ثانية في منصب رئيس الوزراء.

وبينما كان الوفد المصري يجري اتصالاته ومشاوراته مع المسؤولين العراقيين من مختلف المستويات، حطت في بغداد طائرة خاصة، تقلّ الداعية الإسلامي الشهير أحمد الكبيسي قادما من دولة الإمارات العربية المتّحدة.

وخلال ولاية المالكي الثانية، عرف الكبيسي الذي ينحدر من محافظة الأنبار الواقعة بغرب العراق وذات الغالبية السنية، بانتقاداته اللاذعة للحكومة العراقية التي اتهمها بالتمييز الطائفي ضد السنة.

وعقب وصوله مطار بغداد توجه الكبيسي الى مكتب العبادي حيث عقد لقاء مع رئيس الوزراء قالت مصادر سياسية إنّه “اتسم بالودية والصراحة”. وهنأ الكبيسي العبادي بـ”الانتصارات التي تحققت على تنظيم داعش”، مشيدا بقيادته للعراق “للنصر ولوحدة البلاد”. ودعا إلى “أن يتم إكمال الانتصارات في مجال البناء والإعمار”.

وناقش العبادي والكبيسي “أهمية توحيد الكلمة بين أبناء البلد بعد الإنجاز الكبير الذي تحقق بتحرير الأراضي التي احتلها داعش وهزيمة هذا التنظيم الإرهابي”.

ويقول مراقبون إن “الكبيسي ربما يكون بوابة لتقديم العبادي إلى المجتمع السني في العراق المصاب باليأس بعد تجربة داعش التي أدت إلى تدمير مدنه وتهجير سكّانها”.

ويحتاج العبادي إلى تأييد السنة في العراق، في حال أراد الاستمرار لولاية ثانية، في منصبه. ويعدّ الكبيسي من الوجوه المؤثرة في الأوساط السنية وسجلت خطبه ومحاضراته أيام كان في العراق حضورا كبيرا.

3