متطوعون أم مضللون أم مرتزقة يغامرون

الخميس 2014/08/14

يعتزّ المرء بأشياء كثيرة، بأصله، بنسبه، بوالديه، بوطنه، بعلمه وثقافته، لكنّه نادرا ما يعتزّ بصديق أو رفيق. قد يحمده ويثني عليه، ويذكر خصاله وحسناته، دون أن يبلغ درجة الاعتزاز. محرّر هذه الأسطر يختلف قليلا، أو هو يشذّ عن القاعدة لأنه يعتز أو حتى يفتخر ببعض أصدقائه، وهم كثيرون والحمد لله، وهم ثروته الوحيدة الغالية. من بين هؤلاء شيخ المستعربين الأسبان، الدكتور بيدرو مارتيناث مونتابث. أعتزّ بصداقته لأنّ فيها مصادقة العلم الواسع، والثقافة الشاملة، والصّدق في الرّؤيا والتحليل، ومحبّة العدل والحقّ، والدّفاع عنهما بثبات وإصرار.

كان المشتشرقون، إلاّ من ندر منهم، لا ينعمون لدينا بسمعة محمودة، بل أكثرهم ملوم مذموم. دارت الأيام، وجاء بعدهم جمهور من الباحثين، عرفوا بالمستعربين، فكانت تسمية أكثر تحديدا وتعبيرا، وكان حاملوها أكثر صدق وجدّيّة وواقعيّة. أنصفوا، في معظمهم، أنفسهم وعملهم، والمواضيع التي تناولوها بالبحث والدّرس والتنقيب. أكرمني الله فمكّنني بالتعرّف على عدد منهم من بعض الأقطار الأوروبيّة، خاصّة أسبانيا، حيث طالت إقامتي أكثر من أيّ مكان. عرفت عددا من المستعربين وتعاونت معهم، دون ترك متابعة نشاطاتهم المحمودة جمليّا، حتى كانت الصّداقة. صداقة أعتز بها، وهي التي ربطتني بشيخهم مارتيناث مونتابث.

خطر اسمه على بالي بعد شروعي في تحرير ما تجود به القريحة، عن قطر من أعزّ أقطارنا العربيّة على نفسي، لتاريخه وثقافته وصدق وطنيّته وعروبته فكتبت: قيل لي والقائل مطّلع عليم خبير، أن أكثر من ألفي شاب تونسي، ومثلهم آخرون، من الجزائر والمغرب وليبيا ومصر، وغيرها، يحاربون على أرض سوريا، فهل يدرون ما هم فاعلون؟ لا أحد يجهل، إذ الكلّ يعلم بالدّليل، وبشهادات التائبين منهم العائدين إلى الصّواب، ما الذي دفع بأولئك الفتية إلى اقتراف ما يقترفون، وكيف التُقطوا، ولأيّ غاية جُنّدوا. لكن لا أحد يعلم، ولعلّهم أيضا لا يعلمون، لأيّ مجموعة ينتسبون، ولفائدة من يَقتُلون فيُقتَلون، ومن يواجهون، وهل سينتصرون أو يهزمون؟ كما أنهم لا يعلمون، ولا أحد يعلم، مصيرهم في الحالتين. إن انتصروا سينظر إليهم من يؤول له الأمر نظرة الرّيبة، فلن يتأخر في التخلص منهم. أما إذا هزموا فلا هم يعرفون إلى أين سيتّجهون. أقطارهم ستخشاهم فتلفظهم، وغيرها سيصدّ أبوابه في وجوههم، فيبقون تائهين، لا نجاة إلا أن يصبحوا مرتزقة.

هذه الأسئلة التي طرحت نفسها أمامي، والحديث عن سوريا عموما جعلني أطير بالذاكرة إلى المستعرب الكبير، وإلى كتاب له أسماه “ادّعاء الغرب وتقاعس العرب” تحدّثت عنه وعن فحواه، في سلسلة مقالات قد تلقى يوما طريقها إلى جمهور القراء إذا فتحت لها “العرب” ذراعيها وصفحاتها. ضمن هذا الكتاب، مقال للأستاذ مارتيناث عن سوريا، سأسمح لنفسي بترجمة مقتطفات من المقال لأنه، رغم قدمه النّسبي 6-1- 2000، كلّ ما جاء فيه يتماشى مع مجرى الأمور حاليا، فكان نوعا من التنجيم والرّمي بالغيب، يقتبسه كعادته من الواقع وواقعية النظرة وموضوعيتها. يقول مارتيناث متحدّثا عن الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، بينما كانت المفاوضات جارية بشأنها: “… إنّ هذا البرنامج مثل أيّ برنامج سياسيّ صعب بهذا القدر من الصّعوبة، ومجازف حتى يبدو كأنه يقترح المستحيل، هو رغم تعقيداته الداخلية الهائلة، وعديد ظروفه المتغيّرة، يتبع أيضا طريقا إجباريّا معقّدا، تتالت فيه المنعطفات والمنخفضات، خاضعا لعديد التحويرات بدرجاتها المختلفة، أو حتى للتحريف. إنّ اعتقاد خلاف هذا، معناه نكران الواقع ونكران طبيعة ديناميكية المسائل التاريخية.

إنّ القطعة السوريّة التي صُغّرت طوال وقت كاف، أو هُمّشت رسميّا، يمكنها الآن اكتساء أهمّية وحجم امتلكتهما حقّا، فتتصرّف حسب ذلك. كان خطأ كبيرا (تهميش سوريا) رغم أنه أضْمِر بحساب ودقة، وها هو الآن يشرع في إصلاح نفسه بنفسه. إن هذا الخطأ الأولي المدبر، هو في كلّ الحالات، لم يقلل بشكل معتبر، من قيمة وحجم القطعة السورية، وهي دائما واعية بذلك تمام الوعي. إن عدم أخذ هذا في الحسبان، سيكون خطأ ثانيا ذا تأثيرات أكثر فاعلية وأكبر ضررا. إنّ أهمية وزن سوريا لا تقاس إلا بما هي، وما تعنيه داخل النسيج العربي الجهويّ المميز. هذا النسيج هو، بلا جدال، غامض مرتبك، متناقض في عدد من مكوّناته وحتى في تصرّفاته. لكنه يمتلك أيضا عناصره الخاصة والفعالة للتعبير وأداء الوظيفة، وهذا ما، كثيرا وباستمرار، لا يؤخذ في الاعتبار أو يتعرض إلى الازدراء، رغم خطر الوقوع في أخطاء كثيرة. يجب التذكير بأنّ سوريا كيان سياسي أكثر حقيقة وتكوينا من بعض الكيانات الأخرى في المنطقة…على هامش أي نوع من الأطروحات أو الاعتبارات، فمن المعروف جدا، أن أي تنظيم شامل في الشرق الأوسط ليس ممكنا دون أن تؤدي القطعة السورية، داخل التشكيلة، الدّور الخاص والهام التابع لها.

لذا فالدور الذي تؤديه سوريا، ويجب أن تستمرّ في أدائه، في المحادثات وتوجهات الصّراعات التي لا تزال معلقة في المنطقة، وفي القائمة الطويلة من الحلول الممكنة التي قد تُعَدّ، هو دور ذو أهمية أولية، وفي بعض المظاهر، لا يؤديه غيرها… إن النظام السوري شاعر أيضا بأنه لا يتمتع في الخارج بصورة لمّاعة، وأنه في هذه اللحظة في وضع داخلي أكثر اهتزازا وتغيرا، قد يكون قريبا من المخاطر والاختيارات الجوهرية. كلّ هذا يمكن أن يؤثر دون شك في مجرى الأحداث، لكن يبدو أنّ الجميع، بمن فيهم السوريون، مقتنعون بالحاجة القاهرة إلى تفاهم نهائي، بأقل ما يمكن من عدم التوازن”.

هذا رأي المفكر الكبير، وهو رسم لا يبعد عن الواقع. أمن أجل هذا وضعت سوريا في قلب الرّحى، وأصرّ الكلّ على تحطيمها؟ تحطيم لم يرحم حتى حياة الأطفال والعجز.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9