متعة أن ترى تيرنر

الاثنين 2016/04/18

عاش الرسام البريطاني جوزيف مالرود وليام تيرنر ما بين سنتي 1775 و1851، لم يكن اختلافه عن رسامي عصره تقنيا، وإن كانت تقنياته في الرسم قد وضعته في مقدمة المبشرين بالتحولات العظمى التي سيشهدها الرسم في السنوات الخمسين التي تلت وفاته، بدءا من الانطباعية وانتهاء بالتجريدية.

لم يكن تيرنر ابن الرسم في عصره، مَن تسنح له الفرصة لرؤية رسومه الكثيرة في “تيت بريتان”، لا بدّ أن تصدمه حرية الرسام وهو يضيف ويحذف لونيا، فلا يخلص إلى المشهد بقدر ما يخلص إلى الرسم.

لم تكن قوة التعبير عما يراه تعنيه، بل كان اهتمامه منصبا وبشكل مطلق على قوة الرسم وهو يخلص إلى صفاء لوحاته، فكل لوحة منه هي بمثابة درس في نقاء الرسم.

ولأن الموضوع بالنسبة إليه لم يكن إلاّ ذريعة للرسم، فقد شاء تيرنر أن يخصص الجزء الأصغر من اللوحة لموضوعه، فيما كان الفضاء يحتل الجزء الأكبر.

هناك، في ذلك الفضاء الواسع نفذ تيرنر مكيدته التي أوقع الرسم في حبائلها، كان انطباعيا قبل الانطباعية، كان كلود مونيه يمكن رؤيته في واحدة من لوحات تيرنر، وكان تجريديا قبل أن تخترع مفردة “تجريد” قاموسيا.

ما الذي فعله التجريديون بعد تيرنر ليعد فتحا عظيما؟ من وجهة نظري فإن تيرنر هو التجريدي الأعظم على مرّ العصور، لقد انتهى عصر التجريد ولم ينته تيرنر، أين يكمن السر؟ أعتقد أن النظر مباشرة إلى رسوم تيرنر بإمكانه أن يهدم كل سؤال.

ما رسمه الرجل يقع خارج احتمال الرسم، لا أقصد هنا الكمال، بل أقصد الشغف الخالص بالرسم بما يجعله فعلا روحيا، فكيف تسنى له أن يرسم ما لم يره ليعين أعيننا على النظر، وكأنها تتأمل بنقاء قطرة مطر وحيدة؟

لقد وصل تيرنر إلى روح الرسم فلم يعد يعنيه ما يظهر على اللوحة، كان خيال يده هو الذي يرسم، أما خيال عينه فلم يكن إلاّ مساعدا.

كاتب من العراق

16