متعة التخيل

الاثنين 2017/10/30

ما مدى أهمية قراءة الخيال في ترسيخ السلوك الاجتماعي لدى القرّاء؟ وهل تسهم قراءة أدب الخيال في تحسين قدرة الأفراد على التعاطف والاندماج في الحياة الاجتماعية؟ وقبل هذا وذاك كيف تعمل المخيّلة وما هو الخيال الأدبي وما علاقته بحالة الأفراد النفسية؟

هذه الأسئلة وغيرها الكثير أثارها الباحث وأستاذ علم النفس الاجتماعي الأميركي إيمانويل كاستانو في دراسة مهمة نُشرت مؤخراً مدعمة بنتائج إحصائية دقيقة أجريت على عدد كبير من العينات الافتراضية لمعرفة تأثير وقدرة التخيّل على السلوكيات العاطفية للأفراد.

وتتفق نتائج مثل هذه الأبحاث مع النظريات النقدية التي تربط أدب الخيال بالحالة النفسية للمتلقين، ويركّز الخيال الأدبي -افتراضًاـ على التركيبة النفسية للشخصيات وعلاقاتها بمحيطها، وغالبًا ما يسبغ القارئ صفة الغموض على طريقة تصرف وسلوكيات الشخصيات التي يرسمها الكاتب بومضات وصفية متقطعة، من دون الكثير من التفصيلات، الأمر الذي يضطرهم -القرّاءـ لملء الفجوات الناجمة عن هذا الشح في التفصيلات لفهم نوايا تلك الشخصيات ودوافعها، ومثل هذا النوع من الأدب الخيالي يدفع القارئ لتخيّل حوارات الشخصيات الاستباقية أثناء نزوعه الفطري لجرّها إلى العالم الواقعي الذي يفهمه.

وعلى الرغم من أن الخيال الأدبي يميل للاقتراب من الواقع، إلّا أن الشخصيات وسلوكياتها في الرواية من شأنها تعطيل أو عرقلة توقعات القارئ وتقويض التحيّزات والصور النمطية التي يرسمها، وبالتالي تحفيزه على بذل المزيد من التخيّل لفهم القيم المتعلقة بالسلوك الاجتماعي لأشخاص خارجيين يختلفون عنه بطريقة تفكيرهم وقناعاتهم.

وتشير النتائج إلى أن قراءة الخيال تتمتع بتأثير اجتماعي عميق، إذ يمكن إدراجه في المناهج التعليمية أو تنفيذ برامج مثل تلك القراءات في السجون، حيث يمكن أن تؤدي قراءة الخيال الأدبي إلى تحسين الأداء الاجتماعي للسجناء وتحفيز الميل العاطفي لديهم. ويأمل كاستانو أيضًا أن يشجع البحث الأشخاص المصابين بالتوحد على المشاركة في المزيد من الخيال الأدبي على أمل أن يتمكّنوا من تحسين قدرتهم العاطفية بعيدًا عن الآثار الجانبية للأدوية الكيميائية.

وتتجسّد قدرة الخيال في تحسين الفهم البشري للآخرين -الشخصيات- الذين يمتلكون مشاعر ومعتقدات ورغبات متناقضة ومختلفة كليًّا عن تلك التي يحملونها، وغالبًا ما يوصف الخيال الأدبي بأنّه التصوير الوصفي العميق للمشاعر والأفكار الداخلية التي تدعونا كقرّاء لولوج العوالم الداخلية للشخصيات عبر عملية معقدة من الصور الذهنية بطريقة غير ممكنة الحدوث مع الشخصيات الواقعية التي تحول مجموعة من النظم والسلوكيات والأعراف والتقاليد دون الولوج إلى أعماقها من أجل الاطّلاع على تركيبتها العاطفية وخصائصها.

وإذا كان الاعتقاد السائد بأنّ قراءة الروايات الخيالية قد تحسّن القدرة على التخيّل لدى جمهور القرّاء، فإن قراءة كاستانو هذه قد تقلب المعادلة تمامًا، إذ تصبح القراءة الخيالية أحد أبرز العوامل لتحفيز الجمهور على التفكير الواقعي الذي يستند إليه فطريًا من أجل قياس مدى خيالية أو واقعية الشخصيات والأحداث في الروايات.

إن التخيّل بحد ذاته، عملية ذهنية معقدة قد لا يفهم كنهها من الوهلة الأولى، بالضبط كما يحصل في الأحلام، سوى أن التخيّل يحدث للقارئ وهو في أشد حالات يقظته.

يبقى أنّ الكاتب ليس منشغلًا بتلك النظريات أثناء عملية الكتابة، خصوصًا في حالة كتابة الروايات الخيالية الخلاقة، علمًا أن مثل هذه النتائج لا تنطبق البتة على أنواع الروايات الأخرى كالتاريخية والوثائقية وغيرها لأن شرط الخيال المطلق فيها شبه منعدم كما نعلم.

كاتب عراقي

14