متعة التلصّص على ما خفي من تشيخوف

الأحد 2014/01/05
أنطون تشيخوف: رائد القصة القصيرة في العالم

يكشفُ لنا كتاب «أنطون تشيخوف – دفاتر سريّة»، الصادر عن “دار رفوف” بدمشق، في (136 صفحة من القطع المتوسط)، بترجمة للشاعر السوري المغترب جولان حاجي، عن “يوميات ودفاتر وموضوعات وأفكار وملاحظات وشذرات”، تغطي لفترة الأعوام الإثني عشر الأخيرة من حياة أعظم كُتاب القصة القصيرة ورائدها الأهم – أي بين عامي (1892 و1904).

وقد جاء في ما يشبه تقديما للكتاب أنه “عُثر بين أوراق أنطون تشيخوف غير المنشورة على سلسلة من القصاصات داخل مغلّف يحمل هذه الكلمات ثم كشفت زوجته (أولغا ليوناردوفنا كنيبر) عن مفكرته التي كان يدوّن فيها مداخل منفصلة تتعلّق بأعماله المستقبلية وأحلامه التي أحبها، أعاد (تشيخوف) نسخ هذه المتناثرات في دفتر آخر، بعد شطب ما أدرجه ضمن كتبه المطبوعة أثناء حياته، وقد أولاها اهتماما خاصا ولم يؤرّخها عموما على غرار اليوميات المعهودة؛ إنه هنا يسجل أسماء غريبة أحيانا قد يطلقها لاحقا على شخصيات قصصه ومسرحياته ملتقطا تفاصيل رسومها الأولية، كما يضع حوارات غير مكتملة وعناوين مسرحيات لم يكتبها (قشر الليمون، الخفاش، المطر الذهبي)”.

‏ وفي هذه الأوراق، التي تمنح المرء متعة لا تقتصر على القراءة فحسب، وإنما تتعداها إلى التلصص على عوالم كاتب من أبرز كتّاب القصة والمسرح في تاريخنا المعاصر، وكان (تشيخوف) كثيراً ما يختزل اسم الشخص في حرف أو اثنين كي يشير إلى حكايات متنوعة، ساخرة وقصيرة، واقعية ومخترعة، نراه بدفء لطافته وفطنته يقترح على الشبان كتابة مقالات من قبيل (تورغينيف والنمور)، ويلمّحُ إلى ما يسترعي انتباهه في مشهد عابر: ثرثرة تتناهى إليه في قطار أو مطعم، شخص يصادفه خلال إحدى السهرات، زلات اللسان والهفوات وأخطاء الفهم والتلاعب بمعاني المفردات.. وكل ما قد يستوقف بصيرته في المسرح والطب والتعليم والصحافة ودقائق الحياة اليومية.

ونجد في هذه اليوميات «المتناثرات» أيضا، لقايا عدة بما في ذلك ما أعجبه من أقوال الكتاب إذ نقرأ مثلا ما يلي من التأملات: «لماذا شقي هاملت بأشباح ما بعد الموت، في حين أن الحياة نفسها مسكونةٌ بأشباح أشدَّ هولاً» (ص26)؛ «كان الأبناء وهم يكبرون يتكلمون عن الدين أثناء الوجبات، ويسخرون ضاحكين من الصيام والرهبان.. إلخ.

في البداية كانت الأم العجوز تخرج عن طورها، ثم مع اعتيادها الجليّ هذا الأمر جعلت تبتسمُ فحسب، ولكنها أخبرتهم في النهاية بأنهم قد أقنعوها وهي الآن تشاطرهم الرأي. ارتبك الأبناء وشقَّ عليهم أن يتخيلوا أمهم دون تديُّنها» (28)؛ «الحب والصداقة والاحترام لا توحّدُ صفوف الناس قدر ما توحّدها الكراهيةُ العامة (تجاه إحدى القضايا)» (ص 39)؛ «اللؤمُ كيسٌ وُلد معه الإنسان» (ص40)، ونقرأ من مشاريع القصص: «يعطون الجدّ سمكة لكي يأكلها، فإن لم تسمّمه وظلَّ على قيد الحياة أكلتها بقية العائلة كلُّها من بعده».

ومن خلال هذه الكتابات يدرك القارئ مدى فداحة الألم الذي كان يشعر به صاحب الكتاب، نتيجة الغباء والزيف، والمحاباة وتبادل المنافع التي طرزت بسخاء في عالم الأدب. ذلك أن صاحب “المبارزة” امتلك بساطة جميلة وأحبَّ كل ما هو بسيط وحقيقي وصادق، وله وسيلة خاصة في جعل الآخرين بسطاء.


أسرار فن القصص..


رحل «أنطون بافلوفيتش تشيخوف» (1860 ـ 1904م)، عن عمر (44) عاما، وروايتين، و(6) مسرحيات، و(9) مشاهد مسرحية من فصل واحد، و(240) قصة قصيرة. استطاع عبرها أن يحفر اسمه في ذاكرة الإنسانية، وأن يرسخ قيمًا فنية تحولت إلى مدارس ومذاهب في الكتابة، مازالت فاعلة ومؤثرة حتى الآن.

وقد بدأ (تشيخوف) الكتابة، أثناء الدارسة وبعد نيله شهادة في الطب من جامعة موسكو عام 1884، وأخذ ينشر قصصه القصيرة في المجلات الروسية. ومنذ مطالع شبابه اشتهر في كتاباته بحس الدعابة والفطنة، وكان مولعاً بالنكات، غير أنه تميزَّ بالتكتم والخجل، فلم يتح لأحد أن يراه وهو يكتب. كذلك لم يهتم كثيراً بالنقاد، ونكاد لا نعثر على حوارات صحفية أو لقاءات تتعلق بحياته الخاصة.

ويعدُّ صاحب “رواية رجل مجهول” بالنسبة إلى الكثيرين من النقّاد كاتباً حداثياً، وهو أيضاً في نظر المهتمين بالأدب في كل أنحاء العالم أعظم كُتّاب القصة القصيرة ورائدها الأهم. كما لا يقل أهمية عن ذلك ككاتب مسرحي وروائي استطاع عبر أعماله العديدة أن يحفر اسمه في ذاكرة الإنسانية، وأن يرسخ قيماً فنية تحولت إلى مدارس ومذاهب في الكتابة، مازالت فاعلة ومؤثرة حتى الآن. وإذا تتبعنا مشاريع القصص وحدها في يوميات (تشيخوف) ربما نطّلع على عالم كامل من القصص التي لم ترَ النور إلا بتلك الطريقة المبتسرة؛ لكن هذا التتبع يكشف لنا عن أسرار فن القصص لدى هذا الأب الكبير للقصة القصيرة..

"دفاتر تشيخوف السرية" في ترجمة عربية


مقتطفات من الدفاتر السريّة..

‏«4 آب: افتتاح المدرسة في تاليج. أهداني فلاح تاليج وبرشوف ودوبيتشنيا وشولوكوفو أربعة أرغفة من الخبز وأيقونة ومملحتين فضيتين.

بوستنوف، وهو فلاح من شولكوفو، ألقى خطاباً». (ص11).

«بين (ثمة إله) و(ما مِنْ إله) يمتدُّ طريقٌ رحبٌ بأكمله يجتازه الحكيم الحقيقي بمشقة كبيرة. يعرف الروسيُّ أحد هذين الطرفين الأقصيين، ولا تستهويه الطريق الوسطى بينهما؛ ولهذا السبب لا يعرف عادة إلا النزرَ اليسير أو لا يعرف شيئاً».‏ ‏(ص15).

«1903 – 8 كانون الثاني: «إيستوريتشكي فيستنيك» (الأنباء التاريخية)، تشرين الثاني 1902، “الحياة الفنية في موسكو في السبعينات”، بقلم إ. ن. زاخارين. تقول تلك المقالة إنني قد أرسلتُ مسرحيتي “الشقيقات الثلاث” إلى لجنة المسرح والأدب. وهذا ليس صحيحاً». (ص21).

«ليس ثمة عِلمٌ وطنيّ، تماماً كما ليس ثمة من جدول ضرب وطني، لم يعد ما هو وطنيّ في عداد العلم».(ص28).

«من الأنانية أن يطالب المرءُ بالطّهر المرأة التي يحبها: فالتفتيش عن ذاك الطهر الذي لم أحظ به ليس حباً، وإنما شكل من العبادة، إذ على المرء أن يحب أنداده».(ص29).

«الأشكال الأدبية الجديدة تنتج دائماً أشكالاً جديدة من الحياة، ولهذا السبب تثيرُ امتعاضَ العقلية المحافظة». (ص36).

«تكمن قوةُ أيّ شعب وخلاصه في طبقته المثقفة، أي المثقفين بنزاهةِ تفكيرهم وحسِّهم ومقدرتهم على العمل». (ص42).

«كلُّ عمل من أعمال بعض الكتاب باهرٌ إن أخذَ على حدة، ولكنها ملتبسة إن أخِذت مجتمعة؛ وكتاب آخرون لا يمثل أي عمل معين لهم إنجازاً بارزاً؛ ولكن، لكلّ تلك الأسباب، أعمالهم مجتمعةً تبدو متميزة وباهرة ». (ص53).

«الحب إما بقية من شيء يتضاءل وكان هائلاً فيما مضى، أو أنه جزء من شيء سيغدو هائلاً في المستقبل؛ أما في الوقت الحاضر فلا يروي الغليل لأنه يمنح المرء أقل مما يتوقعه بكثير». (ص66).

«المرأة المثقفة، أو بالأحرى المرأة المنتسبة إلى جوَّ المثقفين، حاذقةٌ في الخداع». (ص74).

«عجوز في الثمانين يقول لعجوز آخر في الستين: “اخجلْ يا فتى”». (ص 82).

«أوروبيٌ هو غرورُنا اعتدادُنا بأنفسنا، أما ثقافتنا وأفعالنا فآسيوية». (ص 86).

«عندما أكفُّ عن شرب الشاي وأكل الخبز والزبدة، أقول: “لقد تناولتُ ما فيه الكفاية”.

أمّا حين أكفُّ عن قراءة القصائد أو الروايات فأقول: “لا.. أريد المزيد، لا.. أريد المزيد». (ص92).

«إذا كنت متّزناً من الناحية السياسية، فذلك حسبك لكي يعتبرونك مواطناً مرضيّاً عنه كلَّ الرضى؛ والأمر نفسه مع الراديكاليين، إذ يكفي أن تكون غير متّزنٍ سياسياً للتغاضي عن جميع الشؤون الأخرى». (ص95).

«الإنسان هو ما يؤمن به». (ص98).

«رجلٌ وطنيّ: (وهل تعرفُ أن المعكرونة الروسية أفضل من الإيطالية؟ سأثبتُ لك ذلك، ذات مرة، في نيس، جلبوا لي سمكة حفش.. أتدري أنني أوشكتُ أن أصرخ في وجوههم)، ولم يرَ الوطنيُّ أن وطنيته هضميةٌ فحسب». (ص112).‏ ‏

«يعتقد الكاتب غفوزديكوف أن شهرته واسعة، وأن الجميع يعرفونه. يصل إلى س، فيلتقي ضابطاً يصافحه ويشدُّ على يده مطوَّلاً، محدقاً في وجهه بكلّ غبطة. غ مسرور، فيبادله دفءَ المصافحة.. وختاماً يقول الضابط: (وكيف حال فرقتك؟ ألست أنت قائد الأوركسترا؟)».(ص116).

«إذا صحتَ “إلى الأمام” فاشرحْ بوضوح تام الاتجاهَ الذي ينبغي أن ينتهجَهُ المرء. ألا ترى معي أنك ما لم تحدّد الاتجاه ثم أطلقتَ هذه العبارة الناريّة ليسمعها في نفسِ اللحظة راهبٌ وثوريّ، فسوف يسلكُ كلٌّ منهما اتجاهاً مغايراً تماماً للآخر؟». (ص125).

‏«لو كنتُ في بلادٍ أخرى لمنحوني وساماً على مثل هذه الكُنية». (ص136).


مترجم الكتاب في سطور

جولان حاجي طبيب وشاعر ومترجم سوري مغترب. صدر له: «نادى في الظلمات» (شعر) عن وزارة الثقافة فازت بجائزة محمد الماغوط عام 2004. و«ثمة من يراك وحشاً» (شعر) ضمن مسابقة الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008 للكتاب الشباب. وله عدد من الترجمات من اللغة الأنكليزية منها كتاب «المرفأ المظلم» قصائد للشاعر الأميركي مارك ستراند. ورواية بعنوان «الدكتور جيكل ومستر هايد لستيفنسن».

14