متعة الجلاد

قدر "زيزو" أن يتخذ صفة الجلاّد الذي يتلذّذ بتعذيب كل خصومه في المسابقة الأوروبية المجيدة، فمنذ تعيينه على رأس الفريق منذ أكثر من سنتين، قاد فريق "الميرنيغي" إلى تحقيق النصر تلو الآخر.
الأحد 2018/03/11
زيدان كتب اسمه بأحرف خالدة ضمن سجل أساطير عالم التدريب

درس جديد قدمه ريال مدريد، حيث فاز ذهابا وإيابا على باريس سان جيرمان وتأهل إلى الدور القادم من مسابقة دوري الأبطال “محبوبته” الأزلية.

كل تلك الأموال التي تمّ صرفها من  قبل إدارة الفريق الباريسي لم تكن كافية لتحقيق حلم بات كابوسا في كل موسم، والجلاّد هذه المرة كان الفريق الملكي الذي تجاوز كل المصاعب والمحن، وأكد أنه يبقى دوما من الفرق “العظمى” في أوروبا، بل في العالم بأسره.

صفة الجلاّد هذه المرة يمكن أن ننسبها للريال وكذلك لمدربه الفرنسي المحنك زين الدين زيدان الذي أثبت مرة أخرى أنه “الربان” الماهر القادر على التغلب على كل العراقيل والمصاعب التي تعترض فريقه في محيط دوري الأبطال متلاطم الأمواج.

ويبدو أن قدر “زيزو” أن يتخذ صفة الجلاّد الذي يتلذّذ بتعذيب كل خصومه في المسابقة الأوروبية المجيدة، فمنذ تعيينه على رأس الفريق منذ أكثر من سنتين، قاد فريق “الميرنيغي” إلى تحقيق النصر تلو الآخر، وكل الأرقام والإنجازات تُثبت هذه الحقيقة.

فالريال مع زيدان تمكن من التتويج بكأسه الحادية عشر في الموسم قبل الماضي، بعد أن عبث الفريق بكل منافسيه وبلغ الدور النهائي ليهزم في نهاية المطاف جاره أتلتيكو مدريد.

وفي الموسم الماضي ساد الاعتقاد لدى الجميع أن الريال لن يكون قادرا على المضي بعيدا والدفاع عن لقبه، فالتاريخ يؤكد أن دوري الأبطال في نسخته الحالية لا يمنح أي فريق أفضلية ليتوج باللقب في موسمين متتالين، لكن الريال مع “زيزو” كسر القاعدة وسار بسرعة الضوء في مسابقة الموسم الماضي ليصل إلى المباراة النهائية ويضرب يوفنتوس برباعية كاملة مكّنته من إضافة لقب تاريخي جديد، والفضل في ذلك يعود إلى لاعبه الأسطوري السابق زين الدين زيدان الذي برع بشدة عندما تقمص دور المدرب والربان، فكان جلاّدا محنكا وقديرا تغلب على كل المنافسين.

هذا الجلاّد عاد من جديد هذا الموسم، وهو اليوم يقود الفريق بشكل مثالي في المسابقة الأوروبية، فرغم المتاعب والابتعاد بشكل نهائي عن الصراع من أجل لقب الدوري المحلي، إلاّ أن زيدان شكّل فريقا قويا مقتدرا يبث “الرعب” في قلوب كل “الخصوم” أوروبيا، لكن الأكثر من ذلك أن “ضربات” الجلاّد وجدت صدى طيبا ومتعة لذيذة في فؤاد الضحية الأخيرة.

أي نعم، يمكن أن نصف ما حفّ بالمواجهة المزدوجة بين ريال مدريد ومنافسه الباريسي بهذا الأمر، فكل أنصار ومحبي باريس سان جيرمان وكذلك مسؤوليه اعترفوا بأحقية كتيبة زيدان بالفوز والتأهل.

لقد حصلت حالة من الانبهار والإعجاب بحالة الفريق الملكي وقوّته، ففريق العاصمة الإسبانية يصبح “شكل ثاني” في المسابقة الأوروبية، إنه يتحوّل ويصبح بمثابة “الوحش الكاسر” الذي يحطم شوكة كل المنافس، وهذا الأمر جعل ضربات الجلاّد تكون ممتعة وتبث المتعة في نفوس القائمين على شؤون الفريق الباريسي.

الأمر ليس له علاقة بتبعات الخسارة وفشل الخطة الباريسية في فرض هيمنة على المشهد الأوروبي بفضل قوة العتاد والأموال، بل يتعداه ليصل إلى الخطط المستبقلية، فمن عذابات الجلاّد قد يأتي الفرج وتقام لاحقا طقوس الفرح، وهذا الفرح قد يتحقّق يوما ما مع الجلّاد الذي بات اليوم المرشح الأول والأبرز لتولي مهمة قيادة الفريق الباريسي في الموسم المقبل.

كل صحف فرنسا بدأت تتحدّث عن قناعة إدارة باريس سان جيرمان بضرورة تعيين زيدان على رأس الفريق، لقد تم ربط هذا الأمر بوجود رغبة بدأت تكبر يوما بعد يوم لدى زيدان بأهمية خوض تجربة جديدة بعيدا عن أسوار القلعة البيضاء.

اليوم في باريس ثمة قناعة أخرى بأن الإسباني أوناي إيمري الذي يتولى تدريب الفريق منذ الموسم الماضي لن ينجح أبدا في المشروع الأوروبي، ومهمته فشلت، لذلك سينتظر نهاية الموسم كي يحزم حقائبه ويغادر.

قد يغادر إيمري وقد يكون خليفته الجلاّد زيدان الذي أبهر كل الفرنسيين إلى درجة أن أغلب النقاد والمحللين الرياضيين في فرنسا يريدونه على رأس منتخب “الديكة” ليخلف ديشان بعد كأس العالم، لكن قوة الفريق الباريسي من الناحية المالية ستكون على المحك.

جميع العارفين بخبايا الأمور صلب إدارة باريس سان جيرمان يعلمون جيدا أن هذه الإدارة تسعى دوما إلى التعاقد مع كل لاعب أو مدرب ينجح في الحط من كبرياء الفريق ويعذّبه على طريقة الجلاّدين أصحاب القلوب القاسية، وهكذا أصبح “زيزو” اليوم في نظر الباريسيين.

سينتظر زيدان نهاية الموسم، فحلمه وهدفه الأسمى هو كتابة اسمه بأحرف خالدة ضمن سجل أساطير عالم التدريب ليس مع ريال مدريد فحسب بل في أوروبا بأسرها، فالهدف هو التتويج باللقب الأوروبي للمرة الثالثة على التوالي، وله الحق في أن يحلم مادام سوط الجلاّد قويا وقاسيا في وجه كل الخصوم.

ربما بعد انتهاء المغامرة الأوروبية سيفكر “زيزو” في تحديد مساره ومستقبله بالبقاء لموسم آخر مع الريال وهو أمر قد مستبعدا نسبيا بالنظر إلى رغبته في تغيير الأجواء بعد تحقيق كل الألقاب الممكنة مع “الميرنغي”.

ولهذا السبب فإن الفريق الباريسي سيكون بالمرصاد، وسينتظر على أحر من الجمر لفتة من الجلاّد وسيحاول أن يغريه بشتى الطرق، فربما قد يأتي يوم ويملك فريق عاصمة الأنوار ذلك السوط الذي تسلّط بقسوة وغلظة على الفريق قبل أيام.

23