متعة الكتابة

الخميس 2017/03/09

كيف يلتقط الكاتب إشارات الكتابة؟ قد يكون هذا سؤالا بطريقة الاستفسار الذي لا يخلو من دهشة. وربما هو محاولة لاستكشاف التحفيز الذهني لمتواليات الكتابة وإشاراتها السرية ومصادر إلهامها وبالتالي طرائقها النفسية في تثوير حاسّة الكتابة لدى الكتّاب والأدباء، وبقدر ما هو سؤال استفساري هو أيضاً بحث عن استخلاصات لأفكار الكتّاب ومزاياهم الشخصية في كيفية الكتابة والمحفزات الأولى التي تترك أثرها وشرارتها في عقل الكتابة، حتى تنتشر كالهشيم بين عشرات ومئات الأوراق البيضاء.

قرأنا الكثير عن الإستجابات الواعية وغير الواعية لدى عدد غير قليل من الروائيين والشعراء في مناسبات مختلفة لاسيما في كتب السِّيَر والمذكرات الشخصية والمقابلات الصحافية، وفي الحالات كلها فأن لحظة الكتابة أو تثويرها تأتي من وقدة غير منتظَرة أو مصادفة أو خبر عابر أو ذكرى تتكرر على نحوٍ غامض أو قراءة لكتاب أو حالة فجائية تحفر كثيراً في عقدة معينة من الكاتب أو حدث أو حرب أو حب أو امرأة أو طفل أو موت أو ولادة أو مناسبة. وهكذا تتعدد مصادر الإيقاد الأول بطريقة ملهمة فيها من السحر ما يطغى على الكثير مما يدور في ذهن الكاتب والمؤلف لاسيما مَن يتعاطى الكتابة الإبداعية وكتابة الخلق الخيالي سردياً أو شعرياً.

لفتني ما كتبه البريطاني مايكل بوند في مقالة له عن المؤثرات الخارجية التي تحفّزه على الكتابة وتستثير عقل الكتابة لديه وهو صاحب الـ 35 مليون نسخة لكتابه “الدب بيدنتون” إذ قال “ويأتيني الإلهام حين أراقب حركة الناس في الشارع. ولديّ قدرة على التقاط العبارات من محادثات الناس أثناء مروري إلى جوارهم وأحصل على أفكار لرواياتي أثناء التسوق”.

في مثل هذه الشهادة الصريحة لا يحتاج الكاتب بوند إلى عناءات كبيرة في التخيّل وانتظار قبس الإلهام مثلما يحدث للبعض، فقد حسم أمره المباشر بالروح الاجتماعية التي يحتاجها ليكون قريبا الى نبض الشارع اليومي في خلاصاته الطبيعية، لاسيما في التسوق من حيث هو مكان عام سريع الحركة مختلط اللحظات تفترعه الكثير من الإلتقاطات الممكنة لرجلٍ مثل بوند قادر على قراءة اجتماعيات اللحظة العابرة وهمومها؛ فالتسوق يشي بحركة اجتماعية يومية متكررة، بما يعني إمكانياته الشخصية على رصد تلك الحركة في سياقاتها الطبيعية لكنه يستشف أيضاً سياقاتها المتناقضة والمختلطة والمتشابهة وبالتالي تعطيه الكثير من الإيحاء المجتمعي الذي يكتب عنه ومنه وفيه.

التسوّق المغلق حينما تكون الحياة في علاقات مقننة داخل جدران المولات الكبيرة تحت أسعار رسمية ثابتة من دون أصوات مقايضات، والتسوّق المفتوح حينما تكون الحياة الاجتماعية مفتوحة تحت الفضاء، فينفتح معها الحديث وتكون أصداء أصوات المقايضة واضحة؛ وبين الحالتين ينقسم المجتمع إلى طبقات وتنقسم معه الرؤى الراصدة للحالتين بطبقتيها ووضعها الاجتماعي الذي يبحث عنه بوند وهو يتقصى تلك الحوارات التي تمر امامه أو تلك التي ينصت إليها ليزيد من تحليله، ويستخلص المحتمل من الكتابة من شخصيات يومية عابرة لها همومها وطقوسها ومشاكلها وأوقاتها الشخصية، وتلك هي مهمة أولى للكاتب حينما لا يخترع مجتمعاً بعيداً عن مجتمعه ويتعامل معه بواقعية صريحة ومن ثم يستمكن بؤر الكتابة بطريقة مستريحة.

إلهام بوند قصدي. أي هو الذي يذهب إليه كل يوم عبر سنوات طويلة من المخالطة الاجتماعية لجمع المادة اللازمة للكتابة الإبداعية، وهذا احتراف وصنعة وإمكانية في تكوين أثر إبداعي سردي، وفي هذه القصدية (الإلهامية) ثمة رجل بارع تمكّن عبر تاريخه الإبداعي أن ينجز الكثير من سرديات “الدب بيدنتون” المترجم الى أربعين لغة في العالم والذي شجعه على كتابة عشرات الكتب بنفس العنوان.

يقول بوند “أكتب يوميا طوال الأسبوع منذ خمسين عاما، حتى في الأعياد، وأشعر بمُتعة كبيرة في ذلك”.

كاتب من العراق

13