متعة اللقاء

الجمعة 2017/09/08

ليس التقاء العمل التشكيلي بالألوان الزيتية وغيرها من التصوير الفوتوغرافي ظاهرة معاصرة، فقد شهدها العالم منذ أواخر القرن التاسع عشر، وعُرفت هذه الممارسة بالـ”بيكتورياليزم”، أو ما يمكن تسميته بـ”الصورية”، يقوم خلالها الفنان بإجراء بعض التعديلات على صور التقطها لأشخاص ليس بهدف تصحيح تقني أو تجميلي بل لأجل “دس” فكرة ما، أو إضفاء نبرة شعورية أراد هو التعبير عنها.

ما لبثت هذه الموجة الفنية أن تكسرت على شاطىء الواقعية/الوثائقية في بدايات القرن العشرين التي آثرت الحقيقة الفجة على أي تعديلات ممكنة لأي صورة كانت.

وإذا كان ما حدث حينئذ يمكن تسميته باللقاء الممتع فهو الآن، ومنذ أواخر القرن العشرين، لا يمكن إلاّ الاعتراف به كانصهار محموم يفتح للرؤيا أنفاقا عميقة ويبني جسورا شاهقة من أغرب ما يُمكن تخيله.

لا شك أن التطور التكنولوجي ساهم بشكل رئيسي في عودة وتطور هذه “العلاقة” المشبوهة التي قبعت مؤجلة حتى تمكنت من الحصول على كل ما تحتاج إليه من دفع ودوافع، غير أن هذا ما أنتج ولادة فن قوامه دمج التصوير الفوتوغرافي بالعمل الفني اليدوي أو التقني الذي يستخدم برامج ديجيتالية مُتخصصة. فثمة وعي، بعد أن أخذ العالم الافتراضي مكانته القوية في معظم المجتمعات، بأن ما تقدمه الصورة الفوتوغرافية واللوحة الفنية لنفس المشهد هو عُرضة للمساءلة، كذلك هو المشهد المُجسد، وبالتالي تتضاعف هذه المُساءلة أمام مشهد يجمع الصورة واللوحة في عمل واحد، وهكذا تصبح إمكانية زعزعة الواقع في اختفائه تحت قشرة رقيقة لا تتطلب الكثير من الجهد حتى تتكسر.

ربما من أهم الفنانين/المصورين الغربيين الذين يجسدون هذه الحالة “الوجودية” الفنان بن هيغتس صاحب أجمل اللوحات/الصور عن مشاهد بحرية آسرة تحرك المخيلة وتقدم أكثر بكثير من روعة أمواج أو نصاعة زبد يغلي ويفور على الصخر، وأيضا الفنانة أمبر إيزابيل، لا سيما في مجموعتها الفنية التي تتألف من صور لنساء في أجواء متقشفة تماما أضافت إليها “اجتهادات” فنية بسيطة، ولكن كفيلة بأن تأخذ الناظر إلى عمق السيكولوجيا الأنثوية.

أما الفنان الإيراني مهرداد موهيبالي، فله لوحات رائعة مزج فيها الصورة مع العمل التشكيلي بغية إيصال رسالة اجتماعية غير مباشرة.

وللفنانين العرب حصة كبيرة في هذا المجال، ونذكر من هؤلاء العراقي المُخضب بحرب العراق الدموية، الفنان رياض نعمة، الذي قدم عددا كبيرا من اللوحات/الصور معظم أبطالها أطفال عراقيون يمثلون في أكثر من ناحية الجيل العربي بعد انطلاق الأزمات القاتلة في بلادهم.

وليست التقنية أو فكرة دمج الصورة في العمل التشكيلي هي ما جعل العديد من تلك الممارسات باهرة ومحوّلة للمعاني وصانعة لها، بل تلك النظرة إلى العالم والحياة بطريقة جديدة، حيث انقطع فيها الخيط الفاصل ما بين الواقع والخيالي، وبين الظالم والمظلوم في أحيان كثيرة.

نذكر أيضا من الفنانين، المصرية نيرمين حمّام في مجموعتها التي تطرح فيها فكرة السلطة، وهشاشة الصبا. وتدمج الفنانة صورا فوتوغرافية لجنود مصريين من ساحة التحرير مع خلفيات لعالم فردوسي فيه ثلج على رؤوس جبال وأزهار تتنفس السماء الصافية.

هذا الاحتكاك الحاد بين عالم الصورة الفوتوغرافية والفن التشكيلي واختفاء الحدود الفاصلة حتى في عين المُشاهد العالم بأمر حضور العنصرين، أي الاجتهاد الفني والصورة الفوتوغرافية، يؤكد أن الصورة باتت في حاجة لأن تكون أكثر مما هي، لكي تنافس الهول المعلوماتي البصري الذي نتعرض له يوميا، وهي بحاجة لأقل مما هي عليه لتحدث ثغرات للشك والريبة تشبه تلك التي يحدثها رصاص حارق في جدار.

هكذا يكون العالم على النحو “التفاؤلي” الذي أبصره المفكر الفرنسي جان بودريار “حالة يجد فيها الناس صلة قوية بالرمز والصور أقوى من صلته بالواقع الظاهر أمامه”.

ناقدة لبنانية

17