متعة مستحقة

الأربعاء 2014/08/20

متعة الأدب في قراءته طبعا، كل تلك الصفحات الطوال في ألف ليلة وليلة وفي الأغاني وفي روايات القرنين الثامن والتاسع عشر، ذات المجلدات الطوال، حبرت لأن الوقت بغير أدب موحش، والوحشة قاتلة عزيزي القارئ. لهذا فحين حفظت الأشعار وعلقت على أستار الكعبة فلأن الإحساس بالزمن موجع، ولأن انتظار القضاء دونما قول، يختصر محتمل اللذائذ والمطامح، هو فتك خالص بالمهج.

لكن هذا أمر متعلق بالتلقي، أي تحمل الحياة سلبا بمثيرات الخيال، ومكابدة الوجود فعلا مع استبقاء الأدب احتياطا للمهج، يحول دون الانتحار. لكن الأمر معقد شيئا ما مع الكتابة، فالكاتب بطبيعة الحال قارئ لكل تلك المجلدات الطوال، مع محنة دهرية تتلف لذة القراءة، هي محنة التجاوز والإنتاج. أنت تقرأ -عزيزي القارئ- بحبور خالص، وفي قراءتك احتفال بلحظات لا يكدرها إخلال بعمل وجودي، أنت لا تقرأ إلا حين يكون عملك مفروغا منه. ففي القراءة احتفاء بالفراغ.

بيد أن الأمر معكوس بالنسبة للكاتب، فهو قد يكون موظفا إداريا أو جامعيا، أو مجرد عامل يومي، لكن عمله في الحياة لا يكون عملا، هو مجرد بسملة، تتعلق بما بعدها، بذلك الوجود أمام الصفحة البيضاء، وحين يسودها الحبر قد تشتهى الحياة.

تبادرت إلى ذهني كل هذه الأفكار حين كنت قبل أيام في الدورة السادسة والثلاثين من موسم أصيلة الثقافي الدولي مشرفا على تكريم الروائي والمسرحي والسيناريست الصديق يوسف فاضل، جاء هذا الاحتفاء طبعا تتويجا لحصوله على جائزة المغرب للكتاب في صنف السرديات هذه السنة، ولارتقاء روايته الأخيرة: “طائر أزرق نادر يحلق معي” في القائمة القصيرة لجائزة بوكر للرواية العربية. تحدث عدد كبير من أصدقائه في الندوة، عن أدبه وعن صداقته في الحياة، وتحدث الجمهور عن اختياراته التي سلطت الضوء على زوايا مظلمة من مجتمعنا المغربي.

ثم تحدث أخيرا يوسف فاضل، بعد فواصل الدموع التي اخضلّت بها المآقي بين كل لحظة وحين، وقال شيئا أساسيا -هو الذي زهد دوما في الأضواء والتجمعات الاحتفائية- قال: «ربما اليوم، هو الوحيد الذي أفسد قاعدة جوهرية في وجودي الشخصي، أن أعيش لحظة تبدو لي غير مستحقة، لأني لم أكتب منذ يومين، عشت لأزيد من ثلاثة عقود رهانا، منح حياتي فرصة نادرة للمعنى، أني لم أحتفل مساء دونما صفحات كتبتها صباحا، كنت أحس أني أخون مبدأ غير قابل للمخاتلة في الحياة، وهو أن بهجة الأماسي والليالي، هي هدية الأصدقاء لوحشة الصباح، لهذا فكأسه اليوم هو سلف وليس خيانة».


كاتب من المغرب

15