متغيرات تقوي جماعات الضغط الأميركية الرافضة للإسلام السياسي

واشنطن تواجه جبهتين متصادمتين لا تمنحانها حرية الإنصات إلى الإخوان.
الأربعاء 2021/11/17
لا تراجع عن مشروع حظر الإخوان

بات موقف جماعات الضغط الأميركية المطالبة بحظر جماعة الإخوان ووقف التعاطي معها أقوى وذلك بعد التغيرات السياسية في المنطقة العربية والخسارة الكبرى التي منيت بها تيارات الإسلام السياسي، مما يعني أن فشل هذه الأنظمة في تحسين حياة العرب هو انعكاس لفشل استراتيجيات الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما لن ترغب واشنطن في تقبله خاصة بعد أن تحولت المنظمات التابعة للإخوان إلى تحريض المسلمين في الولايات المتحدة على الانعزال عن المجتمع الأميركي.

هذه هي المرة الرابعة خلال ست سنوات التي يقدم فيها السيناتور الجمهوري تيد كروز مشروعًا للكونغرس الأميركي لحظر جماعة الإخوان وتصنيفها كإرهابية، وبدا أنه يدرك أنها مختلفة وأن موقفه جاء نتيجة العديد من المستجدات أقوى من ذي قبل.

وقدم عضو الكونغرس مشروعه مجددًا بعد محاولات عدة سابقة فاشلة في عامي 2015 و2017 ثم قبل نهاية العام الماضي مشفوعًا بإدانة عنيفة لإدارة الرئيس جو بايدن التي اتهمها بمحاباة جماعة الإخوان وممارسة ضغوط على حلفاء واشنطن، خاصة القاهرة، بغرض إطلاق سراح قادتها.

حث كروز ومعه عدد من نواب بمجلسي الشيوخ والنواب وزارة الخارجية الأميركية لتستخدم سلطتها القانونية لتصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية أجنبية، مبديًا فخره بإعادة طرح مشروع القانون من منطلق واجب تحميل الجماعة المسؤولية عن تمويل الإرهاب والترويج له، مشددًا على ضرورة انضمام الولايات المتحدة إلى حلفائها في العالم العربي في الاعتراف رسميًا بجماعة الإخوان بأنها منظمة إرهابية.

قرن كروز هذه المرة طرحه لمشروع القانون بهجوم عنيف على إدارة الرئيس جو بايدن، مستنكرًا ابتزاز واشنطن لحلفائها في الشرق الأوسط واللجوء إلى حجب المعونات أو أجزاء منها عنهم والتعلل بملف حقوق الإنسان بغرض تمرير مكاسب لجماعة الإخوان رغم الكوارث التي تسببت فيها بدول العالم شرقًا وغربًا، وهو نهج رسمه من قبل الرئيس الأسبق باراك أوباما وإدارته المنحازة إلى تنظيمات الإسلام السياسي.

ضغط مضاد

جماعة الإخوان توظف الملف الحقوقي للتغطية على نشاطها الإرهابي
جماعة الإخوان توظف الملف الحقوقي للتغطية على نشاطها الإرهابي

عكست لهجة كروز الجريئة هذه المرة إرادة من جبهة الرافضين لسياسات الانحياز والمحاباة للإسلام السياسي التي تضم نوابًا غالبيتهم منتمون للحزب الجمهوري لموازنة ثقل جماعات الضغط داخل اليسار الديمقراطي الأميركي والنافذين من السياسيين الذين ظلوا يحملون قناعات وتوجهات إدارة أوباما السابقة، فضلًا عن مراكز بحث ووسائل إعلام ومنظمات حقوقية تضغط في اتجاه مواصلة الدعم والتعاطف مع الإخوان، بصرف النظر عن المتغيرات على الساحتين الدولية والإقليمية.

ظهر ذلك من الإشارة التي أوردها كروز في سياق انتقاداته لإدارة الرئيس بايدن بشأن هذا الملف والمتعلقة بالضغوط التي تمارسها واشنطن من وراء الكواليس للإفراج عن قيادات بجماعة الإخوان معتقلة على ذمة قضايا عنف وتحريض على الإرهاب، مستخدمة ورقة حقوق الإنسان والمعونة العسكرية لابتزاز القاهرة.

ما فعله النائب الجمهوري بالكونغرس هو تدشين مرحلة جديدة للقيام بدور موازنة لما تقوم به بعض جماعات الضغط التي لا تزال متعاطفة مع الإخوان في الولايات المتحدة، ما يعني تعديل موازين القوى الضاغطة وعدم ترك الساحة فارغة لأنشطة كتل اليسار الديمقراطي، وهو ما يجعل الإدارة الأميركية حيال جبهتي ضغط متصادمتين لا تمنحانها الحرية الكافية للرضوخ لإملاءات داعمي الإسلام السياسي.

لو لم يحظ مشروع القانون الذي قدمه النائب تيد كروز بالموافقة عليه تمهيدًا لإصداره فهو يمثل أداة ضغط مضادة على الإدارة الأميركية كابحة لكل سياسات الانحياز إلى الإسلام السياسي، وربما تمهد مستقبلًا لإعادة النظر في كيفية التعاطي مع هذا التيار كخطوة في طريق حظره.

تزامنت تحركات نواب الكونغرس مع انعقاد الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر يومي الثامن والتاسع من نوفمبر الجاري، ما يعني منح جماعات الضغط الصاعدة الرافضة للإسلام السياسي في الولايات المتحدة بعض الأفضلية عبر توفير المناخ السياسي المواتي الكاشف للعديد من الإشكاليات الملتبسة في هذا الملف، خاصة في مجال حقوق الإنسان.

سقوط فروع الإخوان يقوي جماعات الضغط الرافضة لإقامة علاقات مع حركات الإسلام السياسي والمطالبة بحظرها

ووظفت جماعة الإخوان الملف الحقوقي للتغطية على نشاطها الإرهابي المسلح، في نفس الوقت الذي يوظفه آخرون لابتزاز وتمرير مكاسب سياسية للإخوان على حساب العلاقة الحيوية بين واشنطن والقاهرة.

وجد تيد كروز ورفاقه أنفسهم في وضعية أفضل بعد كارثة الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتداعياتها السلبية على حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط والتي هزت ثقتهم فيها كشريك استراتيجي، في وقت عزز مكانة منافسي واشنطن وخصومها مثل روسيا والصين وإيران.

وضح أن ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان ليس كما قبله في عمليات إعادة الاصطفاف وتعديل التحالفات وفتح باب الحوار مع خصوم وأعداء سابقين التي تجري بالمنطقة، ما يعني تزعزع الثقة في دور واشنطن كحارس الأمن وكحام أول لحلفائه، ما قاد إلى تحركات عواصم عربية في اتجاه وأد خصومات سابقة وتحسين للعلاقات مع إيران وتركيا، وهذه الأخيرة لديها تجربة في عدم الثقة بواشنطن كحليف، وتشبيك علاقات قوية مع منافسيها.

وترتبط عملية إعادة العواصم العربية تقييم أوضاعها ومواقفها بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان لتقليل التوترات الإقليمية بشكل كبير بملف الإسلام السياسي، فالتوترات التي يُراد تهدئتها هي مع رعاة هذا التيار بشقيه السني والشيعي، مقابل مخاوف وتوجسات متعلقة بسلوك إدارة بايدن التي أعاد انسحابها المهين من أفغانستان ودفع حركة طالبان الثيوقراطية المتشددة إلى السلطة شبح حقبة أوباما للواجهة، وهي التي غذت التوترات الإقليمية وضاعفت من نفوذ وحضور الإسلام السياسي ورعاته وأضرت بعلاقات الولايات المتحدة بحلفائها التقليديين.

تستفيد جبهة تيد كروز من هذه التحولات الدقيقة من جهة القول بفقدان واشنطن لمكانتها لصالح خصومها ومنافسيها في سبيل مواصلة دعم تنظيمات ثبت فشلها وصارت عبئًا على كل من رعاها ومد لها يد العون.

سقوط وانفصالية

فشل جماعة الإخوان يُعد فشلًا لمن دعموها ودافعوا عنها
فشل جماعة الإخوان يُعد فشلًا لمن دعموها ودافعوا عنها

يمثل السقوط المتتالي لفروع جماعة الإخوان في المنطقة العربية وصولًا إلى تونس والمغرب، وربما لاحقًا ليبيا في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، متغيرًا مهمًا من شأنه تقوية جماعات الضغط الرافضة لإقامة علاقات قوية مع حركات الإسلام السياسي والمطالبة بحظرها.

لطالما تحججت الإدارات الأميركية المتعاقبة وجبهات الضغط في اتجاه دعم الإخوان ومراكز البحث التي ترفض حظرها وتصنيفها تنظيمًا إرهابيًا بأن فروع هذه الجماعة تحكم في العديد من العواصم العربية، فكيف تتعامل واشنطن مع كيانات تابعة لجماعة محظورة، بالتوازي مع إدعاءات الأحزاب المرتبطة بالإخوان أنها مُنعت من الحكم ولا تستطيع تنفيذ برنامجها، وهي الحجج التي سقطت بالسقوط الكبير للإخوان في مصر سياسيًا وفكريًا، ثم السودان وتونس وأخيرًا المغرب بعد سنوات طويلة قضتها في السلطة.

بات موقف جماعات الضغط المطالبة بحظر الإخوان ووقف التعاطي معها أقوى، إذ بوسعها تخطئة موقف الجبهات التي تنظر إلى الإخوان وتيار الإسلام السياسي كونهم شركاء جيدين يسعون لتحسين حياة العرب والمسلمين بما يعزز نفوذ الولايات المتحدة بعد أن صار هناك شبه إجماع عربي على أنها جماعة فاشلة في الحكم، نشرت البؤس والفساد وافتقرت إلى الخبرات السياسية وعجزت عن الانتقال من المعارضة إلى الحكومة.

ويُعد فشل جماعة الإخوان فشلًا لمن دعموها ودافعوا عنها ومنحوها الغطاء السياسي وسوف تنعكس كوارثها بالمنطقة العربية على نظرة الشعوب العربية إلى كل من يرعى هذا التيار، وهو ما لا تريده واشنطن ويناقض الهدف الرئيسي الذي حددته لدعم مشروع الإسلام السياسي في الحكم بعد ما عُرف بالربيع العربي.

ما وضح للجميع بشأن سلوك الإخوان في دول الشرق الأوسط نسف فرضيات بنتها إدارة أوباما ولا يزال البعض يتبناها متعلقة بمزاعم أن العمل مع المتشددين وإرضاءهم يحولهم إلى معتدلين ويبادلون الولايات المتحدة الجميل ولن يضمروا لها الشر ما يسهل على واشنطن فك الارتباط بالمنطقة.

وأدّت تلك الأوهام إلى خسائر باهظة للولايات المتحدة، حيث ثبت في كل البلاد التي عملت فيها جماعة الإخوان أنها على مستوى الأيديولوجيا والممارسة لا تختلف عن غيرها من الفصائل التكفيرية وجماعات السلفية الجهادية، وهي الأكثر قابلية من غيرها للانخراط في الفساد والانقسامات.

مشروع القانون الذي قدمه تيد كروز أداة ضغط على الإدارة الأميركية كابحة لكل سياسات الانحياز إلى الإسلام السياسي

جعلت المتغيرات الكبيرة بالمنطقة العربية والتي شهدت بلدانها انتفاضات شعبية ضد حكم الإخوان وإقصاء شعبيا للجماعة من الحكم من طريق الصناديق من منطلق زرع هذه الجماعة الفوضى وعدم الاستقرار في العالم العربي وتسببها في انهيارات اقتصادية واجتماعية كارثية، مصطلح الاعتدال الذي خدعت به الجماعة قطاعًا من الأميركيين مجرد عنوان وهمي انقضت صلاحيته ولم يعد قابلًا للرواج وإعادة التدوير.

ويجد تيد كروز وكتلته في ما جرى من متغيرات كبيرة ما له صلة بتعاطي بعض الحكومات الأوروبية مع أنشطة الإسلام السياسي وجماعة الإخوان وممارساتها التي تعزز الانفصالية والانعزالية داخل المجتمعات الأوروبية دافعًا قويًا لمطالبة الإدارة الأميركية باتخاذ إجراءات مماثلة ضد الإخوان، حيث لا تختلف خطط وأهداف الجماعة في الولايات المتحدة عنها في دول أوروبا.

وكما فعلت فروع الجماعة في أوروبا وقادت قطاعات من المسلمين إلى الانعزالية عن مجتمعاتهم في الغرب، حرضت جماعة الإخوان عبر أنشطة منظماتها على الانعزال عن المجتمع الأميركي وغذت التمرد على القوانين الأميركية من جهة زعم عدم توافقها مع الشريعة الإسلامية.

وقاد هذا إلى مطالبات بتأسيس أنظمة تعليمية واجتماعية وثقافية وقضائية خاصة بالمسلمين، وبطبيعة الحال ستكون الجماعة المشرفة والمهيمنة عليها لتخطو خطوة مهمة في تأسيس دولتها الانفصالية الموازية، كخطوة تجد الجماعة أنها واجبة التنفيذ تمهيدًا لتحقيق مشروع التمكين الكبير للجماعة ليس فحسب في الشرق الأوسط، بل التمكين العالمي لتحقيق هدف مؤسسها النهائي المتعلق بإقامة خلافة إسلامية عالمية.

وتسعى الجماعة لتحقيق هذا الهدف في الولايات المتحدة من خلال مجموعة من المنظمات الفاعلة داخل المجتمع في مقدمتها “الجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية” والتي تدير غالبية المساجد والمراكز الإسلامية، و”مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية” و”الصندوق الإسلامي الأميركي الشمالي”، وهذه المجموعات لديها فروع في كندا.

كما أن هناك تسعا وعشرين منظمة أخرى تعمل في الولايات المتحدة تحت مظلة ما أطلقت عليه وكالة التحقيقات الفيدرالية الأميركية “منظمة الإخوان المسلمين الدولية” والتي تأسست في الثمانينات.

7