متلازمة "العش الفارغ" تهدد بإصابة الوالدين بالاكتئاب

مغادرة الأبناء للمنزل بعد الزواج تشعر الآباء بفقدانهم لأهدافهم في الحياة.
الجمعة 2020/12/18
مزيج من الوحدة والحزن يخيم على نفوس الأمهات عند غياب أبنائهن

ينتظر الآباء والأمهات ذلك اليوم الذي ينتقل فيه الأبناء إلى الجامعة للدراسة أو ليتزوجوا ويستقلوا بحياتهم بعيدا عنهم، لكن بمجرد حلول هذه المرحلة الجديدة، مرحلة الهدوء مع وقت أطول للاعتناء بأنفسهم، تنقلب الموازين ويصبح غياب الأبناء مثيرا للقلق والحزن، ويؤدي إلى الإصابة بمتلازمة البيت الفارغ أو ما يعرف في علم النفس بمتلازمة “العش الفارغ”.

يشجّع الآباء والأمهات أبناءهم على أن يصبحوا مستقلين، إلا أن تجربة المغادرة مؤلمة بالنسبة إليهم، حيث يجد أغلبهم صعوبة عند غياب الأبناء الذين يحتاجون إلى وجودهم إلى جانبهم ورعايتهم في أرذل العمر. ويصاب الكثير منهم بمتلازمة “العش الفارغ”، وهي مزيج من الوحدة والحزن تصيب الآلاف من الآباء كل عام نتيجة مغادرة الأبناء المنزل.

وتبرز أعراض هذه المتلازمة في فقدان الهدف وانعدام السيطرة والاضطراب العاطفي، والضغط الزوجي والقلق تجاه الأبناء، والحرمان الذي يصيب أحد الوالدين أو الاثنين معا نتيجة مغادرة أبنائهما البيت لأول مرة لأسباب متعلقة بالزواج أو الدراسة أو العمل. وعادة ما يشعر بها الوالدان بعد فراق الابن الأخير نظرا للفراغ الكبير الذي يلحقه في حياتهم بعد أن كان يشغل المكان الذي تركه إخوته.

وبيّن أخصائيو علم النفس أن وجود الأطفال يمنح غالبية الآباء والأمهات إحساسا بالهدف، حيث أنهم تعودوا على ملء أوقات فراغهم باصطحاب أطفالهم إلى المدرسة أو المناسبات الرياضية أو الخروج معهم للقاء الأصدقاء، وبالتالي ينشغلون بحياة أطفالهم وبمجرد مغادرتهم يشعر الكثير منهم بأنهم فقدوا هدفهم.

علاء جراد: مشاعر الآباء تتضارب بين افتقاد الأبناء والخوف عليهم
علاء جراد: مشاعر الآباء تتضارب بين افتقاد الأبناء والخوف عليهم

وأكد الدكتور علاء جراد، أستاذ جامعي في بريطانيا، أن الزواج وتكوين أسرة سعيدة وأبناء ناجحين هي أمنية يتفق عليها الجميع أو على الأقل الغالبية العظمى من البشر.

وقال جراد لـ”العرب” “يكدح الآباء والأمهات ليلا ونهارا لتأسيس العش الجميل الذي يوفر لأطفالهم الدفء والأمن والأمان والملجأ الذي يليق بهم، ولا يألون جهدا في مد ذلك العش بكل ما يجعله البيئة المثالية لأبنائهما سواء ماديا أو معنويا، وفجأة وبعد سنوات تمر سريعا لم يشعر بها الأبوان، يخلو العش من الطيور الجميلة ويصبح فارغا فتتغير الحياة ولا تعود كما كانت أبدا، وهذا ما يطلق عليه “متلازمة العش الفارغ”.

وأضاف أن هذه المتلازمة هي متلازمة غير سريرية يمر بها الكثير من الآباء والأمهات عندما يغادر أطفالهم المنزل وخاصة مع مغادرة الطفل الأصغر، وسواء غادر الأبناء المنزل للدراسة أو للعمل أو الزواج، ففي كل الأحوال يتسبّب ذلك في شعور بالألم والحزن والوحدة للأبوين مما يؤثر سلبا على حياتهما وقد يصل حد الاكتئاب والذي تختلف درجاته.

وتابع موضحا “كما يتولد لدى البعض من الأهل الشعور بفقدان الغرض من الحياة بل وفقدان الاهتمام بالحياة نفسها، وتتضارب المشاعر بين افتقاد الأبناء والخوف عليهم والندم على الوقت الذي لم نقضيه معهم لاهتمامنا ببناء العش على حساب اهتمامنا بساكنيه”.

وأكد الخبراء أن علاقة الحب والاحتواء القوية التي تربط الآباء بأبنائهم والعيش في محيط مفعم بالسلام والمودة يجعلان غياب أحد الطرفين عن الآخر في غاية الصعوبة ولا يتحمل انعدام السند الاجتماعي من أطراف أخرى كالأقارب، مما يفتح الطريق نحو المشاكل النفسية التي يصعب في ما بعد التغلب عليها.

وقال طوني كاسيدي، أستاذ علم نفس صحة الطفل والأسرة في جامعة أولستر في المملكة المتحدة، إنه على الرغم من أن متلازمة العش الفارغ لم تكن تشخيصا سريريا، إلا أنه من المعروف على نطاق واسع أنه عند مغادرة الأبناء المنزل، يعاني الآباء وخاصة الأمهات من الشعور بالحزن والخسارة والاكتئاب والوحدة والضيق وحتى فقدان الهدف ومعنى الحياة.

وأضاف كاسيدي أن الأمهات أكثر عرضة لتجربة هذه المشاعر، لأنه غالبا ما تتزامن هذه المشكلة مع تغيرات أخرى في الحياة مثل بداية انقطاع الطمث وفقدان الوالدين.

ولفت المختص في علم النفس إلى أن مشكلة تشخيص وعلاج هذه المتلازمة تكمن في الخلط بينها وبين بداية انقطاع الطمث ولا يتم التعرف عليها كمشكلة تحتاج إلى مساعدة أو دعم كامل.

وكشفت دراسات عديدة أن الأبوين اللذين يعانيان من متلازمة العش الفارغ يواجهان إحساسا عميقا بالحرمان، مما قد يجعلهما عرضة للاكتئاب وإدمان الكحول وأزمة الهوية والخلافات الزوجية، حيث يؤدي الشعور بالحرمان من الأبناء ببعض الأزواج إلى نقل المشاعر السلبية إلى بعضهم البعض، والتعبير عن الرفض والاشتياق لاشعوريا من خلال الخلافات.

وأضحوا أن التقاعد والتركيز على الأزمات العاطفية التي ترافقه حيث يصبح الفرد هشا وغير قادر على تحمل المزيد من المعاناة، خاصة أن مرحلة التقاعد عادة ما تمهد للشيخوخة وما يصاحبها من مشاعر قلق، بالإضافة إلى عدم وجود نشاطات تشغل الآباء عن التفكير في أبنائهم الغائبين، فتشتت انتباههم لذلك الفراغ وتعوضهم عن الحرمان النفسي.

علاقة الحب التي تربط الآباء بأبنائهم والعيش في محيط مفعم بالمودة، يجعلان غياب أحد الطرفين في غاية الصعوبة
علاقة الحب التي تربط الآباء بأبنائهم والعيش في محيط مفعم بالمودة، يجعلان غياب أحد الطرفين في غاية الصعوبة

وأفاد أخصائيو علم الاجتماع بأن متلازمة العش الفارغ تشهد تضخما في وقتنا الحاضر وذلك بسبب الوضع الحالي الذي يعيشه الشباب، نظرا إلى أن العديد منهم لا يغادرون المنزل إلا متأخرا جدا، لافتين إلى أن البطالة أو وضع العمل غير المستقر والافتقار إلى الحافز والشعور بالراحة في المنزل كلها عوامل تجعل الآباء والأمهات يعتقدون أن أطفالهم سيكونون معهم طوال حياتهم، ويصابون بالصدمة ولا يتقبلون حتمية رحيلهم.

ولفت جراد إلى “أنه على الرغم من أن العش هو وسيلة وليس غاية، لكن البعض دون أن يدرك يجعل العش هو الغاية وما إن يبنيه ويجهّزه يحاول الانتقال إلى عش أكبر أو يتدخل في حياة أبنائه ببناء أعشاش لهم مجاورة لعش الأسرة، وفي كل الأحوال فالانشغال الزائد بالعش وتأمينه قد يلهي الأهل عن الكنز الكامن في العش ومصدر السعادة وهم الأبناء”.

وأشار إلى أن مستشفى “مايو كلينك” أفرد موقعا على الإنترنت لإلقاء الضوء على هذه المتلازمة وأساليب التعامل معها وأهمها أن يتهيأ الأهل نفسيا إلى هذه اللحظة وقبل ذلك أن يقضوا الوقت الكافي مع أبنائهم، وأن يستغلوا هذه المرحلة لإعادة إيقاد شعلة الحب بينهم وممارسة الهوايات التي لم يتمكنوا من ممارستها سابقا وأن يعيدوا اكتشاف أنفسهم، وفي نفس الوقت التواصل الدائم مع الأبناء وخاصة أن التكنولوجيا سهلت هذا الأمر كثيرا.

كما يمكن إعادة التواصل مع الأصدقاء القدامى وزملاء الدراسة والتواصل مع الأصدقاء والعائلات الذين يمرون بنفس المرحلة، وبالتأكيد فإن ذلك سيكون له مردود إيجابي، بل سوف ينعكس على الأبناء لعلمهم أن آباءهم سعداء وقد تأقلموا مع غيابهم.

وختم جراد قائلا “فلنغتنم الفرصة من الآن ونهتم بمن نحب ونقضي معهم وقتا بجودة عالية نخصصه لهم، فالدقيقة التي تمر لا تعود أبدا. وربما تكون محنة كوفيد – 19 في هذه الأيام الصعبة هي فرصة ذهبية للم الشمل والعودة إلى دفء الأسرة ولو حتى افتراضيا، علينا الاستفادة من هذه الفرصة، فالحياة قصيرة ولكن تستحق أن نعيشها”.

21