متلازمة الفتاوى والمساجد والإرهاب

تلمس الخطوط الأولى لمسارات صنع الإرهاب، يؤدي إلى أنه يبدأ من فكرة نبذ الآخر وإقصائه، والفكرة تتغذى وتزدهر في فضاءات محددة من قبيل المساجد وبيوت الله، والتي طالما أكد الجميع على ضرورة تنزيهها والنأي بها عن الخلافات السياسية وعلى ضرورة عدم زيغها عن مقاصد الدين.
الأربعاء 2017/02/01
ضرورة تحييد المساجد عن التسييس وإعادتها إلى دورها الحقيقي

تصريح المتحدث الأمني لوزارة الداخلية السعودية اللواء منصور التركي الأسبوع الماضي جاء مؤكداً لما تم تداوله على مدى سنوات طوال؛ “هناك أشخاص يتحركون في المساجد وحلقات تحفيظ القرآن لاصطياد الشباب وتجنيدهم”. في 12 أغسطس 2010 صدر القرار الملكي التاريخي بقصر الفتوى الدينية على هيئة كبار العلماء. للأسف، لم ينجح القرار في لجم من لم يحترموا عقولنا، مازالوا يؤججون بيننا وداخلنا صراعات لا تنتهي، ومازالت فوضى الإفتاء منتشرة إلى اليوم؛ سبعة أعوام بعد صدور القرار. إنها أورام خبيثة تفشت بعد تصاعد وتيرة التأليب والتحريض، فأنتجت المزيد من دعاة الكراهية والتقسيم المذهبي ومحرضي القتل والتفجير والإرهاب.

من ضمن هذه الفوضى، تسجيل أسماء متطوعين في مسجد حي المنيرة بآرامكو في الظهران سنة 1979 للمشاركة برحلة جماعية “دعوية”، تبين لاحقا أنها نفس “الرحلة” التي قادها جهيمان العتيبي لاحتلال الحرم المكي الشريف. نجح المحرضون، للأسف، في الترويج “للجهاد” ووأد الشباب بكل ما يحملونه في قلوبهم من تفاؤل وحياة وحرية تحت ذريعة القضاء على الكفر والزندقة والإلحاد.

انتشرت الفتاوى في زمن الصحوة كالنار في الهشيم. تلك كانت مرحلة التوتّر التي لم تترك حلالا إلّا حرمته من منطلق التسلط المُطلق وامتلاء الذات وإحلال “الأمة” محل الدولة. انتشرت الفتاوى المبطّنة بمنتجات الصحوة، لترهيب خلق الله ولعصف عقول أبناء الوطن بما تحمله من كم هائل من الإرهاب الفكري. من الفتاوى المضحكة: تحريم البوفيه المفتوح، ووجوب قتل الشخصيات الكرتونية، وفتوى إرضاع الكبير، وعدم جواز لعب الشطرنج، وكراهية المرور بالطائرة فوق بلاد الكفار.

مشكلة الوطن هي مع محرضي منابر المساجد المؤدلجة التي تضفي القداسة على مشروعها الأيديولوجي البغيض

أما الفتاوى التي طفحت كالطفيليات فهي تكفير الكُتاب والإعلاميين، وتحريم إهداء الزهور للمريض، ووجوب إعادة بناء الحرم للفصل بين الجنسين، والاعتراض على تطوير المناهج، وتحريم تحية ومعايدة أهل الكتاب، ومنع الوقوف تحية للنشيد الوطني وتحية العلم، وتحريم الصور والتلفزيون. المعترضون على تعليم البنات هم أنفسهم من فرحوا باحتراق البنات أحياء في حريق مدرسة البنات في مكة، هم أنفسهم أصحاب سوابق المطاردات والاعتداءات المتكررة على العوائل.

تذكروا أن الغلاة من القاعدة والإخوان وداعش هم من سرقوا الفرح والبهجة، إنهم تجار المآرب المشبوهة الذين حرّضوا أبناءنا على الالتحاق بعصابات الإرهاب. لم ننس كيف ألقت الجهات الأمنية في المدينة المنورة القبض على ثلاثة أشخاص بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش، بينهم إمام مسجد. شكراً لوزارة الشؤون الإسلامية، لحذفها نماذج من الخطب المختارة في موقعها، والتي تحارب الابتعاث والعلوم العصرية، وأخرى تحذر من الذهاب إلى “بلاد الكفار” وتعزز مفهوم الكراهية والبغضاء. يلبسون الحق بالباطل، يدسون السم في خطب الجمعة وحلقات التحفيظ لحث الشباب على “الجهاد”. يلهثون جاهدين في محاولات يائسة لتطبيق أيديولوجيا الحقد والكراهية، ومناهضة كل المعاني الوطنية والإنسانية السامية.

تزامناً مع تصريح اللواء منصور التركي عن تصيد الإرهابيين للشباب في المساجد، أذكر أيضاً بتصيدهم للطلاب في المدارس. هذه الحقيقة موثقة بلسان مستشار خادم الحرمين الشريفين الأمير خالد الفيصل الذي أكد أن “المناهج الخفية” هي التي تصنع التطرف. في منتصف عام 2014 صرّح الفيصل (وكان حينها وزيرا للتربية والتعليم) بأن من أهم أسباب انتشار الفكر المتشدد إعطاء أصحابه فرصة في التعليم وأننا “تخلينا عن أبنائنا واختطفوهم”. أذكر بإيقاف تسعة من أساتذة الجامعات السعودية عام 2014 وإحالتهم إلى التحقيق بسبب انتمائهم الإخواني الإرهابي.

ثم يهبط علينا الداعية صاحب البشت المطرز وساكن القصر العاجي الذي بشر الأمة بالخلافة. هو نفسه نجم برامج الفتاوى، والمُنَظِر في حلقات التدريس عن الإسلام السياسي، وصراخه للحاق بالأجندات الحركية الحزبية ينخر دهاليز الإذاعة والتلفزيون. من نتاج تحريض هؤلاء الدعاة، الشاب عبدالرحمن التويجري الذي تحوّل من مشارك في حلقة تحفيظ القرآن وطالب قسم شريعة إسلامية، إلى مؤذن رسمي في أحد مساجد بريدة، ثم إلى إرهابي خان وطنه بدم بارد. كان التويجري، منفذ العملية الانتحارية التي نتج عنها استشهاد وجرح أكثر من 30 شخصا في مسجد الرضا بحي المحاسن بالأحساء.

أذكر بالمواطن يوسف السليمان الذي تم إلقاء القبض عليه بتهمة تأثره بفكر داعش، ثم أطلق سراحه لعدم وجود أدلة ضده. عاد بعدها بعامين لينفذ عملية إرهابية في مسجد قوات الطوارئ بعسير، فاستشهد 11 من رجال الأمن الأبطال وأربعة من العمالة الآسيوية الوافدة. أذكر بأنه في عام 2016 وقعت ثلاثة تفجيرات انتحارية إرهابية، أحدها في موقف سيارات قوات الطوارئ قرب الحرم النبوي. وعند مغرب اليوم نفسه وبالقرب من مسجد الشيخ العمران المجاور لسوق مياس في محافظة القطيف، فجر انتحاري نفسه، وتم العثور آنذاك على أشلاء بشرية لثلاثة أشخاص.

تجار الإسلام السياسي يتغافلون عن حقائق تاريخية من أهمها أن مجد الإسلام يتحقق بمجد المسلمين وتراحمهم مع جميع الأديان، لا بمجرد إقامة خليفة هنا أو حزب إسلامي هناك

اليوم يعيش المسلمون أكثر العصور ظلامية. مازال بيننا من يحرض عبر فتاوى الحقد والكراهية على قتل “الكفار” ونحر “النصارى” وجز الرقاب. لماذا؟ لأن باب حراج الفتاوى مفتوح على مصراعيه، ولأن هؤلاء الدعاة جعلوا من أنفسهم حراساً للمجتمع وأمناء على مقدرات الشعوب. الفتوى يا سادة ملزمة فقط بقوة وحكمة القرار السياسي، وليس بأمر سماسرة هذا الحراج الذين حركوا دهماء الناس للتشكيك بهم وتكفيرهم. مشكلة الوطن هي مع محرضي منابر المساجد المؤدلجة التي تضفي القداسة الدينية على مشروعها الأيديولوجي البغيض. النتيجة الحتمية هي تدحرجنا إلى أسفل قاع الفرقة وحُفر التشتت بسبب مفاهيم دينية مغلوطة.

أصبح الاشتباه هو القاعدة التي ينطلق منها البعض لتقويم سلوكيات أفراد مجتمع لم يصدر منهم ما يسيء للشريعة أو الأخلاق. وصلنا إلى درجة أن إشكالات بعض أفراد المجتمع تمظهرت بناءً على رؤية مسكونة بالخوف والهلع الصامت والريبة. عضو هيئة كبار العلماء المستشار في الديوان الملكي الشيخ عبدالله المنيع، أحسن صنعاً بوصف “الصامتين” عن بيان الحق وتعرية الشبهات التي يثيرها المنظرون للإرهاب بالشياطين.

هذا نصراني، وذاك رافضي، والآخر ليبرالي، كيف فشلنا في فهم حقيقة الإسلام الإلهي؟ ألم ينزل على نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بأنه دين واحد متسامح مع كل الطوائف والأديان؟ تجار الإسلام السياسي يتغافلون عن حقائق تاريخية من أهمها أن مجد الإسلام يتحقق بمجد المسلمين وتراحمهم مع جميع الأديان، لا بمجرد إقامة خليفة هنا أو حزب إسلامي هناك. لعلي أشير هنا إلى المكالمة الهاتفية بين الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب والتي شملت موضوع تنظيم الإخوان المسلمين كطرف مسؤول عن الإرهاب.

الصورة ليست كلها سوداوية. في كلمته بمدينة جيزان، تطرق عضو هيئة كبار العلماء، أحمد مباركي إلى أهمية التمسك بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف، بما يحقق الاعتدال والوسطية والبعد عن التطرف. أختم بالمطالبة بنزع القدسية عن أتباع حسن البنا وسيد قطب الذين يحتلون منابر مساجدنا ويحاججون دون مرجعية شرعية. على هؤلاء الدعاة الخوارج وغيرهم التقيد بضوابط وقواعد الفتوى بما يتفق مع مبادئ الشرع ونصوص القرآن.

كاتب سعودي

13