متن منسي

"آيات شيطانية" لا يمكن أن تثبت في أي مقارنة مع هذه الروايات التي دخلت تاريخ الأدب الحديث والمعاصر.
الأربعاء 2018/10/17
سلمان رشدي جنا أموالا طائلة من روايته المحدودة القيمة

تحتاج الكتابة دوما إلى زمن لتستقر وتتخلص من العواطف المتصلة بها، عواطف الشغف والانغماس المحموم، والعمى الناجم عن لهفة التعاطف مع قضايا إنسانية، كما تتطلب كل الإصدارات الجديدة، في حقول التعبير الأدبي والفني، من متلقيها، زمنا كافيا لتتخلص من الضوضاء المرافقة لها أوان ولادتها، فلأشكال التعبير جوهر عار، هو حقيقتها التي لا يمكن أن تموّهها الأردية.

مطلع تسعينات القرن الماضي صدرت ترجمة عربية مرتجلة لرواية سلمان رشدي الشهيرة “آيات شيطانية”، كانت تباع تماما مثل الممنوعات والمواد المهربة، في العتمة، لم يحمل غلاف الكتاب أي إشارة لدار النشر، أو لاسم المترجم، فقط اسم الكاتب وعنوان الرواية، ثم لا شيء، سأطّلع على هذه الترجمة سنوات بعد ذلك حين تُدوولت في صيغتها المصورة على الشبكة؛ قرأتها بعد مرور عقود على الحدث الأدبي السياسي الأشهر الذي طبع ثمانينات القرن الماضي، وبعد أن تراجعت حدة ردود الفعل التي خلفتها فتوى الخميني الصادمة للرأي العام العالمي، بمنح مكافأة مالية مغرية لمن يغتال سلمان رشدي.

حين طويت آخر الصفحات في المتن الممتد على أزيد من مئتين وخمسين صفحة، استحضرت مجددا تلك القاعدة الأساسية في حقل السياسة حيث تنشأ مصادرات كبرى على خلفية أحداث صغيرة إن لم تكن تافهة، ضربة المروحة المفضية لاحتلال الجزائر، ومحاولة اغتيال سفير إسرائيل بلندن المفضية لاجتياح بيروت، لم يكن السياق الأدبي العالمي محتاجا لنص هش لصناعة أسطورة أدبية، بل إلى وثيقة لنقاش تمتزج فيه الرغبة في تأميم نزعة الاستعلاء والسعي شيئا فشيئا لتأصيل الإسلاموفوبيا، أستحضر هنا وصف المفكر هادي العلوي للرواية بما هي “نص استشراقي تم توريط سلمان رشدي في تأليفه”، كما أستحضر العشرات من النصوص المأخوذة بالسياق الحاضن، التي ناقشها المفكر السوري الراحل صادق جلال العظم في كتابه “ذهنية التحريم” عن الرواية التي تحولت إعلاميا إلى “قضية سلمان رشدي”.

ربما كان مقال جون بورجر الذي حمل عنوان “كتابان” أي من القرآن إلى الرواية هو الأكثر توازنا في التغلغل إلى عمق الجسد العاري للنص حين تحدث عن “رواية على قدر كبير من العجرفة”، كان من شأنه التلاعب بقضايا نبيلة وعميقة بشكل كارثي، مثلها في ذلك مثل العشرات من النصوص المتداولة اليوم، مع غير قليل من التغوّل الإعلامي.

لا أستطيع هنا أن أتوقف عن التفكير في المردود المادي الذي جناه المؤلف من رواية محدودة القيمة، مردود لم يتحصل عليه توماس مان عن رواية خالدة مثل “الموت في البندقية”، ولا وليام فوكنر عن رواية “المحراب”، ولا نابوكوف عن رائعة “لوليتا”، فالشيء الأكيد أن “آيات شيطانية” لا يمكن أن تثبت في أي مقارنة مع هذه الروايات التي دخلت تاريخ الأدب الحديث والمعاصر.

15