متن وحاشية

الأربعاء 2015/06/17

في زيارتها الأخيرة للمغرب، أهدتني المناضلة والدبلوماسية الفلسطينية ليلى شهيد، نسخة من كتاب والدتها سيرين الحسيني شهيد عن القدس، كنت قد اطلعت على الكتاب منذ مدة، قلت لها إن الكتاب محظوظ بالترجمة البديعة لمحمد برادة، والتقديم اللامع لإدوارد سعيد، لكنه محظوظ أكثر بألبوم الصور الذي انطوى عليه، صور الفضاء المفقود، وصور العائلة المقدسية العريقة، وصور الأحفاد والأبناء، والآباء والأجداد، وصور الاحتفالات والأسفار والنزهات، والصور العائلية الجامدة، وصور التهجير الفاجع.

يبدو كلام سيرين الحسيني شهيد المؤرقة بالمدينة المغتصبة، الباحثة في تلافيف الذاكرة عن تفاصيل المنازل والأهل والجيران والمعارف، مجرد حاشية على تلك الصور القديمة الملتقطة بالأبيض والأسود، التي تختزل كل شيء، بدا شبيها بنص مواز وذرائعي لمتن بصري نادر، ذكرني بكتاب إدوارد سعيد ما بعد السماء الأخيرة المتحدث عبر الفوتوغرافيا عن تفاصيل النكبة ورحلة الشتات.

أخبرتني ليلى شهيد أن طباعة الكتاب تأخرت مدة سنتين لتضمينه الصور المناسبة، التي ما لبثت بعد ذلك أن تحولت إلى المكون الجوهري في النص السيري. بطبيعة الحال ثمة الوظيفة الوثائقية للصور، والتزيينية، لكن ثمة فوق كل شيء أناس من ضياء وظلال، وأمكنة كان لها وجود استعارتها الفوتوغرافيا ومنحتها طاقة الخلود.

في جميع النصوص التي تؤثثها الصور الفوتوغرافية، وهي كثيرة، من روايات لسير شخصية لمذكرات لسرديات المدن لرحلات، يسعى الكاتب إلى نسج مشابهة تقوم على تكثيف حالة الالتباس بين الكلمة والصورة المرئية، بين متن يروى وحاشية تحقق. والشيء الأكيد أن النص السردي لا يمكن أن يماثل آلة التصوير إلا تجاوزا، فالكلمات سديم مترام والصور كتل متراصة…

غير أن التصوير في جوهره الفكري وعمقه الإنساني واحد، ولو أن سجايا التأثير الفني تختلف، وهو ما يجد طريقه إلى مضمون الوقفات التأملية للسارد في كل نص تخييلي يراهن على متن بصري مواكب، من مثل نص” ذكريات من القدس″ لسيرين الحسني شهيد، حيث يتخايل، مع تواتر الحكي، لذهن القارئ، أن الصور اللغوية ليست علامة على وجود موضوعي إلا من حيث هي تمثيل، بخلاف الفوتوغرافيا التي يهمين فيها المرجع المحسوس، صحيح أن هذه الأخيرة ليست مجرد إحالة على موضوع حي وإنما حركة قصدية لعين الإنسان ولفكره، إنما الشيء المؤكد أيضا أن الصورة تسجيل وتثبيت لبصمة ضوء، في زمن ما، لذا فإن قراءتها لن تمضي بعيدا عن حدود الكشف عمّا هو مسجل ومحتكر في إطار، بينما التصوير السردي يتجاوز الامتلاء البصري إلى السراب اللغوي والمجازي، من هنا كانت المشابهة ظالمة، حيث أن الصور التي تتداعى في أذهاننا ونحن نقلب آخر الصفحات من كتاب سيري مصور لا تمثل إلا كنها ملتبسا، إطارا للاحسي من المشاعر والعواطف والمعاني، وتأويلا لبصمة الفوتوغرافيا المنطفئة.

كاتب من المغرب

15