متى ابتعت كتابا إلكترونيا؟

السبت 2017/11/11

في سؤال وجهته لعدد كبير من الكتّاب والقرّاء، مفاده: هل ابتعت كتابا إلكترونيا؟ ومتى حدث ذلك؟ كانت النتيجة، المتوقعة في الحقيقة، هي “لا” بنسبة 99 بالمئة، أما مبررات هذا النفي فاختلفت وتعددت حسب اهتمام وثقافة المستفيدين، لكن في المحصلة النهائية، تصدّر سبب “عدم التعود على مثل تلك الممارسة” جميع الأسباب الأخرى، التي تراوحت بين عدم الثقة بمواقع بيع مثل تلك الكتب وعدم وجود آليات دفع مضمونة وسهلة للحصول على مثل تلك الكتب.

ولعل البعض يعتقد أنّ مثل هذه الظاهرة خاصّة بعالمنا العربي وحده، نتيجة لتراجع الوعي وتخلف الآليات المصرفية ووسائل الدفع الإلكتروني وما شابه، لكن الحقيقة أن مثل هذه الظاهرة هي ظاهرة عالمية نسبيًا، مع فوارق ضئيلة في نسبة الإقدام على شراء الكتب الإلكترونية، لكن الأسباب مختلفة كليًّا في الحالتين.

في الغرب تعود الأسباب بالدرجة الأولى لانحسار ظاهرة القراءة عمومًا، ولا سيّما في أوساط الشباب والأجيال الجديدة، وطالما كان الأمر متعلقا بالأجيال الأقدم نسبيًا، فإن الظاهرة التقنية لا تزال غير مرحب بها أو غير محبذة إلى حد ما في أوساطهم، وبالتالي هم يفضلون شراء الكتاب الورقي والتمتّع بقراءته باسترخاء بعيدًا عن أدوات الشيطان المتمثلة بشاشات الكمبيوتر أو الأجهزة الرقمية الصغيرة، بما في ذلك ما بات يُعرف بالقارئ الآلي، الذي يحاول محاكاة الكتاب الورقي لجهة تسطيح واجهته وعدم اعتماده على الشاشات الضوئية المؤذية للعين وبساطة استخدامه، وعلى الرغم من توفر الآليات التقنية المتطورة والمأمونة للدفع بواسطة الإنترنت، إلّا أنّ أغلب مقتني الكتب والقرّاء يفضلون الاستئناس بآراء بعض محرري الصحف الأدبيين الذين يثقون بهم، قبل التوجه إلى واجهات المكتبات وشراء الكتاب.

أما أسباب عزوف المثقفين والقرّاء العرب عن شراء الكتاب الإلكتروني، فتتركز بالدرجة الأساس على عدم وجود تقاليد من هذا النوع في العالم العربي، على الرغم من أن شريحة واسعة من القرّاء العرب هم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين من العمر، وهي ظاهرة ملفتة تدعو إلى التأمّل والدراسة في الحقيقة وسأعود إليها في مقالة أخرى منفصلة.

والسبب الآخر الذي يأتي بالدرجة الثانية من الأهمية هو انخفاض القدرة الشرائية لمعظم المثقفين والقرّاء العرب، الأمر الذي دفع بالكثيرين من محبي القراءة واقتناء الكتب في العالم العربي إلى تأسيس ما بات يعرف بمنتديات القراءة، ليتداولوا بواسطتها الكتب فيما بينهم، سواء كانت ورقية أو رقمية وبما يتناسب وذائقتهم.

ومن الأسباب الأخرى الملفتة هي انتشار ظاهرة ما يعرف بنشر النسخ الرقمية من الكتب، ويراد به نسخ الـPDF المخصصة للطباعة والمتسربة في الغالب بشكل أو بآخر إلى بعض المواقع، التي تعتقد بأنّها تقدم خدمة للقرّاء بتوفير تلك النسخ المسروقة أو المقرصنة من الكتب، وبالتالي انتفاء ضرورة شرائها من مواقع بيع الكتب الإلكترونية، خصوصًا الكتب والروايات ذائعة الصيت أو تلك التي تحقق نسب نجاح وانتشار مناسبين، فيتحول البحث عنها وتوفيرها لأعضاء تلك المنتديات همًّا وهوسًا وطريقة للتنافس والحذق.

إن دارسة ظواهر من هذا النوع واستنباطها يوفر لنا فرصة مناسبة للوصول إلى نتائج مهمة للغاية، على الرغم من سلبياتها الكثيرة، لعل في مقدمتها حقيقة موت الكتاب الورقي التي باتت بعيدة جدًّا عن الواقع، سواء على الصعيد العربي أو العالمي على حدّ سواء، ومنّها أيضًا ما يثبت أنّ تجارة الكتب الرقمية لا تزال أضعف من أن تشكّل منافسة حقيقية أو خطرًا على الكتاب الورقي، الذي مازال، بحكم التقاليد، يشكّل وجودًا فيزيائيًا محببًا لا يُنافَس.

كاتب عراقي

14