متى انتهت الثورة السورية

السبت 2014/08/30

بدأت الثورة في مارس 2011 ولم تنتهِ بعد. مَن قال إنها لم تنتهِ إلى الفشل بعد أن انحرفت الحرب بها إلى أن تكون وسيلة لتهديم سوريا، بل محوها.

لقد تحول كل شيء عن مساره، فلمَ لا تكون الثورة جزءا من ذلك الـ”كل” الذي لم يعد يُذكر بحقيقته؟ بين المعارضين السوريين مَن يزعم أن الثورة انتهت حين سُلّحت.

من وجهة نظرهم، فإن المسلحين حين سطوا على الثورة سرقوا حلم الشعب السوري في التغيير السلمي. لم يعد التغيير ممكنا في ظل حرب، سمحت لقوى إقليمية ودولية أن تكون أطرافا قوية فيها. بعد تلك الحرب لم يعد الصراع شأناً سوريا خالصا، بل أصبح كل شيء في سوريا رهين إرادة دولية موزعة بين قوى ليست على عجلة من أمرها، ولا يهمها زيادة عدد القتلى والضحايا والمشردين والنازحين.

هناك مَن يقول إن الثورة كانت قد بيعت يوم تكفلت دولة قطر بالإنفاق عليها. كانت تلك الصفقة واحدة من أكبر الطعنات التي توجه إلى ثورة شعبية في العصر الحديث. فعن طريق قطر تسللت الكثير من الجماعات الإسلاموية المتشددة إلى سوريا، من خلال تركيا.

على السطح كان واضحا أن قطر التي كُلّفت بتمويل الحرب من جهة المعارضة، قد سعت جاهدة إلى فرض جماعة الإخوان جزءا من تشكيلة قيادة المعارضة السورية، بل أن الدوحة كانت قد شهدت تنصيب الشيخ معاذ الخطيب رئيسا للائتلاف السوري المعارض الذي تم الإعلان عن تأسيسه هناك. وهو ما يعني أن قطر نجحت في شراء الثورة بكل مكوناتها، كما لو أنها كانت ناديا رياضيا أو مخزنا للملابس والهدايا أو عمارة سكنية.

أما حين ظهرت “جبهة النصرة” وهي تنظيم يتبع القاعدة وتلاها ظهور تنظيم “داعش” وهو الآخر كان جزءا من القاعدة، فقد صار جليا أن الثورة، التي كان روادها الأوائل يهتفون “سلمية”، قد ولّت إلى غير رجعة. لم يعد الحديث عن حراك سياسي سوري معارض يشغل أحدا. لقد انزوى الكثيرون من دعاة ذلك الحراك في الظل. وفي الداخل كان الجيش السوري الحر، التابع للائتلاف السوري المعارض، يسلّمُ مواقعه واحدا تلو الآخر إما لقوات النظام أو لـ”داعش.” أهو اعتراف متأخر بنهاية الثورة؟

لقد تحولت سوريا بسبب فوضى الحرب وتعدد رعاتها إلى إقطاعيات، يديرها أمراء حرب قدموا من أماكن بعيدة، ليديروا شؤون حرب، مادتها مرتزقة مرضى شغفوا بالقتل مهنة عبثية يعتاشون منها ويغذون أنفسهم وعقولهم المريضة بفيض تعاساتها وبمشاهد الجثث والرؤوس المعلقة على الأسوار.

سوريا لم تعد سوريا، غير أنها بالدرجة الأساس لم تعد للسوريين. هل سلمتها الثورة للأغراب؟ قد لا يجرؤ أحد من القيادات السابقة للمعارضة السورية التي تم تشكيلها على عجل في إسطنبول على الاعتراف بتلك الحقيقة المرة. ولكن مَنْ خان مَنْ؟ هل كانت الخديعة بضاعة جاهزة حاولت الأطراف، كلها، تمريرها مستفيدة من عاطفة شعب، سيترك وحيدا ومهمشا أمام آلة القتل؟

سيغسل الكثيرون أيديهم من حبر الخطابات والبيانات، وسيلقي الكثيرون باللائمة على الوضع الدولي المشتبك والمحير، وسيصمت الكثيرون لائذين بمنافيهم التي هي أوطانهم البديلة من أجل ألا يواجهوا مسؤولياتهم عما جرى لبلادهم وقد ضاعت.

سوريا الضائعة هي بلد ضيعه أبناؤه حين أضاعوا بوصلة ثورتهم. لا تنفع اليوم المراثي. لقد مكر سياسيو سوريا المعارضون ببلادهم مثلما فعل النظام تماما، فكانت النتيجة أن وقعت البلاد في مغطس لن ينجو منه أحد. فهل الاعتراف بنهاية الثورة يخفف شيئا من الأسى؟ سيقول الحكماء ممن توقعوا هذه النهاية “لقد حذرنا”، ولكنها جملة لا تنفع وطنا ممزقا شعبا صار قيد النزوح واللجوء والتشرد.


كاتب عراقي

8