متى تتوقف مصر عن محاربة الإرهابيين وتبدأ في محاربة الإرهاب

الثلاثاء 2017/11/28
الحل الأمني ليس الحل الوحيد

القاهرة - تكثف مصر جهودها الأمنية والعسكرية حتى تكون قادرة على مواكبة مستوى جديد من الإرهاب، أعلن عنه هجوم الجمعة الدامي على مسجد الروضة في منطقة بئر العبد بشمال سيناء. لكن يبقى سؤال “حل القوة” ملتبسا ويضع عراقيل أمام قوة الحل.

فهواجس المؤسسات المصرية تبدو إلى اليوم أمنية حصرا، في مواجهة أزمة متشعبة وتعود إلى عقود مضت.

وتكمن المشكلة الرئيسية في أن تركيز التنظيمات الإرهابية في شمال سيناء مازال مركزا على إظهار ضعف سيطرة السلطة المصرية على منطقة محدودة في أقصى الشمال الشرقي للبلاد.

وتنحصر مظاهر السلطة المصرية في بعدين أساسيين؛ أولهما السيادة الأمنية والإدارية المنتشرة عبر أقسام الشرطة والمحاكم ووحدات الجيش المتمركزة هناك منذ 3 سنوات، وثانيهما السيادة المعنوية. وهنا تكمن معضلة المواجهة.

فالكثير من أبناء سيناء يفتقرون إلى الإحساس بأنهم جزء من واقع مصر كوطن، كما ينظر الكثير من المثقفين والصحافيين والكتاب إلى قبائل سيناء بنفس النظرة تقريبا.

وتغيب عن منطقة شمال سيناء المشروعات التنموية منذ عقود طويلة، إلى جانب رداءة التعليم ونقص الرعاية الصحية والخدمات وندرة الاستثمارات. وحوّل هذا الواقع الصعب المنطقة إلى “بؤرة منسية” من إجمالي مساحة مصر البالغة أكثر من مليون كيلومتر مربع.

ويقول خبراء مصريون إن المنطقة بحاجة إلى إعادة تأهيل من حيث البنية التحتية والمنشآت الخدمية والمؤسسات التعليمية، إلى جانب مشاريع تخصص فرص العمل بها حصرا للسكان المحليين.

ويستغل تنظيم أنصار بيت المقدس، الذي بايع داعش عام 2014 وغير اسمه إلى “ولاية سيناء”، التراجع الكبير في الشعور بالانتماء لدى الكثير من قبائل سيناء. ورغم ذلك تلتزم أكثرية القبائل بالتعاون الأمني والاستخباراتي مع قوات الجيش المصري، وعلى رأسها قبيلة السواركة.

كما قتل أكثر من 165 شخصا من بين النازحين من منطقة الشيخ زويد، الواقعة إلى الشرق من قرية الروضة وتشهد تركيزا في الاشتباكات، بحسب مصادر قبلية.

لكن السواركة هي من دفع الثمن الأكبر في هجوم الجمعة، الذي راح ضحيته 305 أشخاص وأصيب أكثر من مئة آخرون، إذ ينتمي غالبية سكان القرية إلى القبيلة، المتمركز فرعها في قرية الروضة المعروفة بميلها إلى إسلام صوفي معتدل.

وتبدو المواجهة الفكرية غائبة تماما عن الحسبان في مصر. فالدوافع الفقهية للمتشددين كانت واضحة في تحذيرات نشرها تنظيم “ولاية سيناء” في ديسمبر من العام الماضي ومطلع العام الجاري، ذكر فيها قرية الروضة بالاسم، وحذر المتصوفين باعتبارهم أولوية في هجمات محتملة.

ولم يجد أي من هذين البيانين ردا شرعيا من المؤسسة الدينية الرسمية، المتمثلة في الأزهر، الذي يتحول مع الوقت إلى “تهميش اختياري” على أمل أن يبعده عن صراع يراه الكثير من فقهائه سياسيا.

ولا تتعلق المسألة بنقاش حاد يدور في القاهرة اليوم حول الصلاحية الشرعية لتكفير داعش، وهو ما يعارضه شيوخ الأزهر، لكن الجدل الرئيسي مازال قائما على سؤال محدد: ما هي الفائدة التي تعود على المسلمين من مؤسسة الأزهر العريقة إذا كانت غير مستعدة لخوض معركة فكرية حاسمة، في لحظة تاريخية تهدد تماسك العالم الإسلامي بأسره؟

ويحوّل غياب الإجابة عن مثل هذه التساؤلات دفة الأمور إلى السلطات المصرية، التي يهيمن عليها شعور بأنها تُركت وحيدة في المواجهة، وأنها تُدفع تدريجيا إلى خيار “القوة الغاشمة”.

لكن خيار القوة في أماكن سكنية يتخفى فيها الجهاديون انتحاري. فالرئيس عبدالفتاح السيسي مقبل على خوض انتخابات رئاسية ستُجرى العام المقبل ومن المتوقع أن يفوز فيها بفارق أصوات مريح، كما تعارض المؤسسة العسكرية خيار نقل المعارك إلى داخل المناطق السكنية، إلى جانب عدم استعداد الكتلة الضاربة من المصريين في الوادي والدلتا لقبول وقوع أعداد أكبر من الضحايا المدنيين.

ولم يبق أمام مصر سوى تبني استراتيجية متعددة الأوجه، يكون التعاطي الأمني فيها خيارا، لكنه ليس الخيار الوحيد.

للمزيد:

التنمية.. سلاح مصر الجديد لمحاربة الإرهاب

1