متى تضع الحكومة العراقية خطة لإعادة تجميع التعليم المفكك

مازال المسؤولون عن التعليم في العراق في حيرة من أمرهم أمام تحديات جمة، على رأسها هيمنة الفكر الديني المتشدد على مؤسسات التعليم الرئيسية، إلى جانب عدم قدرة المسؤولين على طرح حلول غير تقليدية، وتراجع مستوى المعلمين وغياب الخطط، وتحجر المناهج الدراسية الفارغة من أيّ مضمون.
الثلاثاء 2016/09/20
صفوف من التعديلات المتراكمة

بغداد – يعاني التعليم العالي العراقي من انحدار كبير على مستويات عدة أدّى إلى تراجع مستوى عاملين وموظفين ومسؤولين كبار في المصالح الحكومية والوزارات.

يقول محللون إن سوق العمل توقفت منذ سنوات عن قبول خريجين جدد في وظائف تتطلب مستويات مقبولة من التأهيل تغيب على الأرجح في أغلب الجامعات العراقية.

وتقف الحكومة، التي تسيطر عليها أحزاب دينية تسير أعمالها تحت ضغط ميليشيات شيعية متشددة، عاجزة عن رفع مستويات إدارة المؤسسات التعليمية وتطوير مستوى المعلمين والأساتذة وتغيير المنهج الدراسي ووضع خطط طويلة المدى لتحسين مستوى الخريجين.

فشل الإدارة

يشتهر التعليم العالي في العراق بسوء إدارة يعود إلى أن أغلب الإدارات عاجزة عن إجراء تغييرات إيجابية تحتوي على رؤى إصلاحية وتطويرية لأنها تنظر إلى أن دورها ومسؤوليتها محددان فقط بتسيير الأمور الإدارية ونيل المكاسب وعدم الاهتمام بالشأن العلمي والتربوي وتطويرهما. إلى جانب ذلك يفتقد التعليم العالي العراقي إلى وجود مواصفات واضحة ومحددة لاختيار القيادات بأمانة وشفافية، بالإضافة إلى اعتماد المحسوبية والعلاقات والمصالح الشخصية في اختيار المسؤولين في إدارات التعليم، والذي نتج عنه وصول شخصيات غير كفوءة وموالية لمن رشحها ودعم وصولها إلى المنصب دون الاهتمام بالصالح العام.

وعملت الإدارات دوما على اعتماد دكتاتورية فرض القرار بوجود ضعف مؤسساتي كبير في لجان القرار والمجالس (الأقسام والكليات والجامعات) تجاه المسؤول، إذ أن هذه اللجان أو المجالس تعمل باتخاذ القرارات بما يرضي المسؤول غالبا وتخضع لقرار المسؤول ولا تمتلك الشجاعة الجماعية لتتحمل مسؤولية لاتخاذ قرار سليم مخالف لرؤية المسؤول.

الإدارات عملت دوما على اعتماد دكتاتورية فرض القرار في وجود ضعف مؤسساتي كبير في لجان القرار والمجالس (الأقسام والكليات والجامعات) تجاه المسؤول

تأهيل المعلم

إن أحد أهم مقومات نجاح المؤسسة التربوية هي الهيئة التدريسية التي تتفاعل بشكل مباشر مع عملية التعاطي العلمي والفني والتربوي في تعليم الطلبة في مختلف الجامعات والمعاهد. لذا فإن عملية إعداد التدريسي الجامعي بشكل مناسب سيكون له الدور الكبير في نجاح المؤسسات التعليمية في الوصول إلى أهدافها بشكل سليم وصالح.

إن وقت التدريسي وعمله الأكاديمي يجب أن يكون موزعا بشكل مناسب لإنجاز المهام التالية:

– التهيئة والإعداد للمحاضرات وتطويرها سنويا، ويجب أن يكون إعداد المحاضرات وفقا للمفردات المعتمدة في القسم، وإلقاء المحاضرات في قاعة الدرس (الحد الأدنى/ النصاب).

– الاطلاع على آخر المستجدات والتطورات العلمية ضمن مجال كلّ في اختصاصه ومتابعة المستجدات والمستحدثات العلمية في باقي المجالات.

– العمل البحثي (إنجازات بحثية)؛ تطوير وإبداع وابتكار واختراع واكتشاف أو وضع أسس لنظريات جديدة.

– الحضور المتواصل للندوات وورش العمل والمؤتمرات والتحضير لها.

– تقويم وتقييم البحوث والدراسات ورسائل وأطروحات الدراسات العليا ضمن مجال كل في اختصاصه.

– الإشراف والتوجيه لطلبة الدراسات العليا في دراستهم وإنجاز بحوثهم.

– العمل الاستشاري بتقديم الدراسات والمشاريع والحلول للمشكلات الفنية والتقنية خدمة للصالح العام في مختلف مؤسسات الدولة والقطاع الخاص.

– التفاعل بالحضور في المنتديات واللقاءات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية العامة.

– الاطلاع والقراءة الموسوعية في مختلف المجالات الثقافية والحياتية والاجتماعية والسياسية.

ويكون تقييم عمل التدريسي في مؤسسات التعليم محكوما بثلاث توجهات رئيسية: التوجه الأول هو كفاءته في التدريس وكيفية التعاطي والتعامل مع الطلبة، والتوجه الثاني كفاءته البحثية وأسلوبه في التعامل مع المجاميع البحثية وأمانته العلمية وقدرته على توجيه طلبة الدراسات العليا وتفاعله الإيجابي معهم، أما التوجه الأخير فهو تفاعله وتعاونه مع الإدارة في القسم والكلية والجامعة لإنجاز ما يكلف به من أعمال ومهام وواجبات ولجان.

أهم عوامل ضعف المناهج ناجم عن مشكلة الجمود والتحديد النظري واللاواقعي لمفهوم المنهاج في المؤسسة التربوية، بما لا ينسجم مع فلسفة وسياسة تطويرها

تعديل المناهج

إن عملية إعداد المناهج ليست بالأمر اليسير وذلك لصعوبة المرحلة التي يمر فيها البلد ولعدم توفر معطيات وإحصائيات دقيقة وكافية عن المجتمع واحتياجاته. وما هي الأهداف المرجوة من المناهج، وما هي الرؤية التربوية للغد، وكيف يمكن تحقيق الأهداف في ظل تناقض وتطرف سياسي وطائفي وعرقي ومناطقي وطبقي كبير في المجتمع وعدم وجود تطبيق فعال للقانون لضعف مؤسسات الدولة وتفشي الفساد. ولكي يتم بناء المناهج وفق رؤية وأهداف صحيحة يجب توفر ما يكفي من المعطيات عن واقع الحال العراقي وعن هول تأثير الإعلام الموجه المسيء وما تركه من رواسب وتشويه فكري ومعتقدي في المجتمع.

ويبرز اليوم في العراق إشكال حول من يجب أن يكون المسؤول عن وضع هذا المنهاج بشكل فعال ليحقق هذه الأهداف، وهل سيتم وضعه دفعة واحدة أم يكون على شكل دفعات مهيكلة ويطبق بشكل مبرمج يتم تعديله وفقا للمتغيرات والمستجدات؟ ومن صاحب القرار في تحديد الأولويات والمتطلبات الاجتماعية وضبط ذلك لينسجم مع مقدرة الطلبة وإمكانياتهم؟ وما هي فلسفة ورؤية وأهداف المنهاج؟ وما هي الآليات والأساليب والطرق اللازمة والممكنة لتطبيقها بغاية تحقيق الأهداف؟ ومن المسؤول عن تطوير المناهج؟ وما هي مبررات وآليات التطوير؟ ومن يحدد العوائق والمشكلات التطبيقية له وكيفية معالجتها؟ ووضع منهاج تربوي سليم يهدف إلى النهوض بالفكر الاجتماعي والتربوي للإنسان ليس مجرد عملية تقنية وإجرائية فقط، فهي مسألة بناء وإصلاح صعبة ومعقدة ويجب أن يتم التحاور والتداول بعملية بناء المنهاج بأسلوب شامل فلسفي وسياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي.

كما يجب أن تدخل في صياغة المنهاج القيم والأخلاق والمعتقدات والمبادئ للمكون المجتمعي بكل ألوانه وأطيافه وأعراقه وطوائفه مع استيعاب رؤى وأفكار قوى الضغط للجماعات والأحزاب والمكونات السياسية والشركات والتجمعات والنقابات والحركات المؤثرة اجتماعيا. كما يجب أيضا الأخذ في الاعتبار عند إعداد المناهج كل المؤثرات الإقليمية والعالمية على سياسة البلد واقتصاده.

وأهم عوامل ضعف المناهج ناجم عن مشكلة الجمود والتحديد النظري واللاواقعي لمفهوم المنهاج في المؤسسة التربوية، بما لا ينسجم مع فلسفة وسياسة تطويرها.

وقبل أن نبدأ بعملية وضع إطار عام لمنهاج المؤسسة التربوية العراقية يجب ان نفهم ما هي القيم الحضارية (ثقافية ومعرفية وعلمية وفنية ورياضية) للإنسان العراقي الذي تهدف إلى ترسيخها المؤسسة التربوية؟ وما هي القيم والسمات والأخلاق التي نريد تنشئة الأجيال الجديدة عليها؟ أي ما هي المهارات المعرفية والحرفية والقدرات العلمية والاتجاهات الفكرية والقيمية التي يعمل على ترسيخها النظام التربوي العراقي؟ وهل هذه القيم والأخلاقيات التي نتطلع إلى ترسيخها لدى الطلبة تنسجم مع الموروث الحضاري وتنسجم مع المجتمع الذي نتطلع إلى تكوينه في المستقبل من خلال هذا المنهاج؟

17