متى تطاع الدولة

حسبنا أن ننظر إلى ما آلت إليه تونس في الأعوام الأخيرة، حيث أدى غياب الكفاءة في مواقع القرار وسوء التصرف إلى تجويع الشعب وحرمان المتقاعدين من جرايات ائتمنوا عليها الدولة.
الخميس 2018/07/12
استتباب الأمن وحده لا يكفي في ظل حكم جائر أو متهافت قاصر

نعرف منذ توماس هوبز أن طاعة الدولة ضرورية للعيش في سلام، وأن من مصلحة المجتمع أن تحكمه قوانين تؤطر نشاطه، وتحدد مجال حريته، فلو ترك الناس لطبيعتهم لجنحوا في حل مشاكلهم إلى العنف، لأنهم يختلفون بطبعهم في تحديد مفهوم مشترك للعدل والظلم، نظرا لتباين المصالح، فضلا عن الغرائز العدوانية المتأصلة في بعض خلق الله.

والدولة، بوصفها محتكرة للعنف الشرعي بعبارة ماكس فيبر، هي التي تضع حدا لما قد ينشأ من عنف بين مواطنيها، وبذلك تكون هي وحدها التي تملك تحديد ماهية العدل، وليس للناس إلاّ أن يمتثلوا لسلطتها، فلا تغدو الطاعة حينئذ خيارا، بل أمرٌ واقعٌ لا جدال فيه.

بيد أن الطاعة أيضا لها شروط لا محيد عنها، أولها الاحتكام إلى قوانين يستوي أمامها الحاكم والمحكوم دون تمييز، فلا جور ولا ظلم ولا تحيف من الطبقة الحاكمة ضدّ أبناء الشعب.

وثانيها ضمان الحرية لكل فرد كي يعبّر عن رأيه في نطاق ما يسمح به القانون، ويساهم في القرارات السياسية المتخذة، لكونها تمس مصيره ومصير بلاده.

وثالثها الثقة، فالمواطنون في حاجة إلى ثقة متبادلة بينهم وبين من يديرون شؤون الدولة، ثقة تقوم على “احترام العقود والوعود بأمانة”، كما يقول ديفيد هيوم، لأن نَكْثَ الدولةِ وعدَها ليس عملا لا أخلاقيا فحسب، وإنما هو أيضا عامل تدمير لمكوّنات المجتمع.

وأخيرا ضمان الحياة الكريمة، لأن استتباب الأمن وحده لا يكفي في ظل حكم جائر، أو متهافت قاصر لا يعرف من المسائل الاقتصادية غير الحد من الأجور ورفع الأسعار وفرض الضرائب.

وفي غياب تلك الشروط، يحق للمجتمع، أفرادا وجماعات، أن يتمرد على القوانين الجائرة، كما فعلت الأميركية روزا بارك؛ وأن يدعو إلى العصيان المدني شأن المنظمات غير الحكومية في الديمقراطيات الغربية، لأن الأغلبية الانتخابية يمكن أن تسيء إلى الأقلية في نطاق الاحترام الكامل للصيغ الديمقراطية؛ وأن يرفض الانصياع لما يعدّه البشر خروجا على الأعراف، على غرار أنتيغون في تراجيديا سوفوكليس، حينما تجرأت على دفن أخيها بولينيس باسم التعاليم الإلهية، وتحدت قرار خالها الملك كريون بعدم دفنه بدعوى أنه يمثل الشرّ ما دام قد رفع السلاح ضده.

وحسبنا أن ننظر إلى ما آلت إليه تونس في الأعوام الأخيرة، حيث أدى غياب الكفاءة في مواقع القرار وسوء التصرف إلى تجويع الشعب وحرمان المتقاعدين من جرايات ائتمنوا عليها الدولة، فالطاعة، وإن كانت ضرورية لحفظ الأمن، لا يمكن أن تستمر في هذه الحالة.

15