متى تعلن الصحافة التونسية الذعر من الفساد السياسي

الغارديان البريطانية تثبت أن رباط المال والأعمال بالإعلام ليس مقدسا، واضعة حد فاصل بين الصحافة والعلاقات العامة.
الثلاثاء 2020/03/03
الصحافة ملك القراء

تقدّم صحيفة الغارديان البريطانية دروسا في صحافة الجودة، عبر تبنّيها نهجا يلتزم بالقضايا المجتمعية دون الرضوخ لسلطة المعلن أو المال السياسي، وهو ما تحتاجه الصحافة التونسية في تعاملها مع قضية الفساد السياسي التي أصبحت أبرز أزمات المواطن التونسي.

لم يعُد المهم في أخبار الطقس أن تكون درجة الحرارة صفرا أو أعلى من ذلك أو أدنى بل أصبح المهم في تلك الأخبار التي تنشرها الغارديان هو نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء في مختلف مدن البلاد. صيحة فزع متبوعة بالتجديد في الاختيارات التحريرية والإعلانية أطلقتها الصحيفة مُعلنة عن أن البشرية لم تعُد تواجه تغيّرا مناخيّا بل انهيارا بيئيا شاملا يهددها جديا.

في تلك الأثناء ما زالت الصحافة التونسية تنقل ثلاث عشرة ساعة من المداولات البرلمانية للنظر في منح الثقة للحكومة أو حجبها عنها، والحال أن علية القوم دُعوا لحضور حفل تنصيبها قبل المداولات بأيام، وهي صحافة ما زالت تعجّ “بأخبار” تنصيب الوزراء وكأن البرلمان زكّاهم صباحا ليُعزلوا مساء، وهي مازلت تنقل كلام نائب مستاء من الرئيس لم يدعُه لحفل عَشاء.

هناك صحافة تجدّد وتسبق السياسيين وتواكب العلماء وهنا صحافة تجترّ المجترّ ممسكة بتلابيب السياسيين تردّد ما يقولون وتتجاهل من لهم القدرة على الإفادة والإضافة. صحيح أن الصحافة البريطانية ليست كلها الغارديان لكن صحيح أيضا ألاّ صحيفة تونسية حاولت أن تتشبّه بها. ليس الهدف المقارنة بين صحيفة الغارديان والصحافة التونسية بل بيان أن أسباب نجاح الغارديان هي نفسها التي تفسر تدني الصحافة التونسية.

لقد قررت الصحيفة أن تقاوم ما سمّته باقتصاد الكربون أي الأطراف المسؤولة عن الانبعاثات الغازية المتسببة في الانحباس الحراري. ويتبادر إلى الأذهان عادة أن الصناعات الثقيلة مثل الصناعات البتروكيماوية هي السبب الرئيسي، في ذلك في حين أن المسؤول الأول عنها هو النقل، وعلى رأسه العربات الفردية مما يعني أن الصحيفة ستواجه قرّاءها أولا.

لقد أعلنت الصحيفة على الملأ أنها ستكفّ عن نشر الإعلانات الصادرة عن شركات استخراج الوقود الأحفوري، وأنها ستنتج مضامين توعّي الناس بخطر النشاطات المنتجة لقدر كبير من الغازات وتقدّم فيها نصائح لحياة أكثر سلامة في بيئة أقل خطرا. أطلقت الصحيفة في مقالها الذي أعلنت فيه عن ذلك، في 15 أكتوبر 2019، نداء لقرائها لدعمها ماليا فتلقت الآلاف من المساهمات منهم من أكثر من مئة بلد.

في ما أقدمت عليه الغارديان دروس متعددة في الممارسة الإعلامية أولها درس تبجيل مصلحة البلاد والعباد على الربح. ولا نعلم صحفا خاطبت معلنين قائلة لهم احتفظوا بأموالكم فنحن لا نريدها إذا كان ثمنها السلامة العامة والمضامين المغشوشة والكاذبة. ويأتي ذلك في وقت يعلم فيه الجميع ما تعانيه الصحافة كلها في العالم كله من صعوبات مالية خانقة.

Thumbnail

سارت الصحيفة في نهج يثبت أنّ رباط المال والأعمال بالإعلام ليس رباطا مقدّسا كما ظنناه عقودا ولا قدرا وأنّ اللجوء إلى منوال اقتصادي غير إخضاع الإعلام للمال ممكن. وهو عودة في الواقع إلى بدايات الصحافة لمّا كان مصدر تمويلها الأساسي عائدات المبيعات، وهو رجوع إلى الأصل يكشف أن الصحافة ملك القراء لا ملك مجموعات مالية صناعية ضخمة مثل “نيوز كورب” العابرة للقارات أو “برتلسمان” الألمانية أو “بريزا” الإسبانية أو “فيفندي” الفرنسية أو “فينيفست” الإيطالية.

والدرس الثاني أنّ صحافة الجودة التي تساعد الناس على فهم الرهانات المجتمعية الحقيقية للتأقلم مع محيطهم ولممارسة مواطنتهم ممكنة، وأنّ تحقيقها يكون أيسر وأجدى كلما ابتعدت الصحافة عن مراكز النفوذ السياسي والمالي. مفهوم صحافة الجودة وممارستها مرتبطان بمبدأ المسؤولية الاجتماعية للإعلام المكملة للالتزام بالقانون والالتزام بأخلاقيات الصحافة.

إن التجديد في المنوال الاقتصادي واختيار صحافة الجودة استراتيجية تحريرية يقتضيان منوالا تحريريا يدعم صحافة الاستقصاء والتفسير، وهو ما أعلنت عنه الغارديان لإنتاج مضامين تكشف فيها عن المؤسسات والأشخاص الذين يتسببون في تعاظم خطر الانهيار البيئي. وذاك الدرس الثالث المتمثّل في القول بأن الاكتفاء بصحافة النقل نقيض صحافة الجودة ذات المسؤولية الاجتماعية. وفي ذلك درس رابع مغزاه أن الصحافة المسؤولة المستقلة لا تهادن ولا تجامل. فالاستقصاء يفضح ما لا يظهره النقل المجرّد الذي هو ترديد لما تنشره مصادر مؤسسية لن تورّط نفسها أبدا في ما تقترفه من تجاوزات أو إخلالات. صحافة النقل خلافا لصحافة الاستقصاء والتفسير صحافة الصوت الواحد والرأي الواحد تجعل من الصحافي أشبه بساعي البريد.

ولا يعني ذلك أن النقل ممنوع بل يكون بحرفية تخدم اختيارات الصحيفة. في افتتاح القمة البريطانية الأفريقية بداية العام نقلت الغارديان عن رئيس الوزراء البريطاني قوله “نتنفس كلّنا الهواء نفسه، نعيش تحت السماء نفسها، ونعاني كلنا عندما ترتفع انبعاثات الكربون ويسخن الكوكب”. وفي الخبر نفسه أضافت الصحيفة أن بريطانيا عقدت في اختتام القمة اتفاقية بالمليارات من الدولارات مع بلدان أفريقية (تونس معنية باتفاقيات سابقة) لاستخراج المحروقات الأحفورية التي تتسبب في الانبعاثات الكربونية وتسخين الأرض.

صحافة الجودة التي تساعد الناس على فهم الرهانات المجتمعية للتأقلم مع محيطهم ولممارسة مواطنتهم ممكنة

أما الدرس الخامس المستخلص من تجربة الغارديان فهو وضع الحد الفاصل بوضوح بين الصحافة والعلاقات العامة أو ما نسمّيه حياء بالاتصال. ففي الإعراض عن نشر إعلانات صادرة عن مؤسسات تهدد البيئة، وفي تبجيل صحافة الجودة على المضامين المشبوهة، وفي التركيز على الاستقصاء قبل النقل، وفي التصدي لذوي النفوذ، وفي تقديم القراء على السياسيين تقديس للوقائع على حالها لا تزيينها بطلاء العلاقات العامة للتقليل من وطأة ما يحرج أو يجرّم.

ولم تستثن الصحيفة قراءها من الإحراج عندما طلعت عليهم في فبراير 2019 بعنوان يحتلّ الصفحة الأولى كاملة من “الغارديان ويكلي” يخاطب القارئ الفرد قائلا “أريد أن يصيبك الذعر” في شأن التهديد البيئي. هو خطاب مختلف عن المألوف الذي يدعو إلى مخاطبة القرّاء بما تهوى أنفسهم بل فيه لوم معناه أنكم لا تهتمون بما يحتاج إلى الاهتمام.

ليس المطلوب من الصحافة التونسية أن تحاكي الغارديان في تغطية المسائل البيئية بل هناك مواضيع أخرى تهدّد البلاد أكثر من الانهيار البيئي الذي لا يستثني أحدا ولا بلدا. هناك موضوع الفساد السياسي مثلا منبع أنواع الفساد كلها. هو موضوع يحتاج إلى الابتكار في التشخيص وفي المعالجة كما فعلت الغارديان في موضوع الانهيار البيئي.

لقد ذهب الابتكار بالصحيفة إلى حد تغيير مدوّنتها التحريرية لاستخدام ألفاظ وتعابير جديدة لإنتاج المضامين المتصلة بالبيئة. ومنها الانهيار البيئي بدل التغير المناخي والحياة البرية بدل التنوّع البيولوجي وأعداء المناخ بدل المشككين في التغيّر البيئي وجماعات الأسماك بدل مخزون السمك، وما إلى ذلك مما يوحي بقيمة الحياة المناخية وبمسؤولية الإنسان عن تدميرها. ما جاءت به الغارديان هو في الواقع تجديد القديم الذي سبقه إليها جوزيف بولتزر قبل أكثر من قرن. أقوال كثيرة بنى عليها سياسته التحريرية منها أنه “لا ينبغي أن يكون للصحيفة أصدقاء”، ومنها “لا ينبغي أبدا الاكتفاء بنشر الأخبار مجردة”، ومنها “صحافتنا وجمهوريتنا ينهضان معا أو يسقطان معا”، ومنها ما معناه أن العاهات الاجتماعية والسياسية تتفاقم بصمت الصحافة عنها، ومنها أن “أمّ القضايا اليوم أن نعلم إن كانت الشركات هي التي ستحكم البلاد أم أن البلاد ستحكم الشركات”.

كان جوزيف بولتزر، أب الصحافة الحديثة، جريئا في نظرته إلى الأمر وقاسيا حد القول إن “الصحافة المرتزقة والديماغوجية صحافة وضيعة ستنتج شعبا وضيعا على قدر وضاعتها”. ربما فاته أن الشعب يصنع كذلك صحافة على مقاسه.

18