متى تعيد لندن مفتاح التشغيل إلى أوبر

عكس قرار سلطات العاصمة البريطانية لندن بوقف خدمات شركة أوبر بنهاية شهر سبتمبر الماضي الخلل في قدرة الشركة على العمل وفقا لأنظمة قانونية ومعايير المدن الكبرى. وأدت الخلافات بين هيئة النقل المحلية وقادة الشركة إلى وضع مستخدمي أوبر، الذين وصلوا في لندن إلى 78 ألفا، في مأزق كبير، وبدأوا بالفعل في ممارسة ضغوط على الحكومة من أجل تجديد رخصة الشركة بأسرع وقت.
الثلاثاء 2017/10/03
الحكومة بين نارين

لندن – تسببت السلطات في العاصمة البريطانية لندن بضربة موجعة لشركة سيارات الأجرة “أوبر” وسمعتها عالميا، بعدما أوصت بوقف خدمات الشركة، في إحدى أكبر المدن الأوروبية الأكثر ازدحاما.

ولا تتمحور القصة هنا حول أرباح أو عائدات الشركة الأميركية العملاقة، لكن الأهم هو سمعة الشركة، التي قالت السلطات البريطانية إنها “لم تعد ملائمة لمعايير السلامة ومستوى الخدمة المتبع في بريطانيا”.

وبدأت القصة بتغريدة على موقع تويتر في شهر مايو 2012، عندما اتصل ريان غريفز الرئيس التنفيذي السابق لشركة أوبر، بمدير سيارات الأجرة والنقل في لندن عن طريق تويتر لطلب إصدار ترخيص لأوبر للعمل بلندن. وبعد أكثر من أسبوعين بقليل، تلقى تطبيق حجز سيارات الأجرة الأميركي أول تصريح للعمل ببريطانيا.

وبما أن الطلب الأصلي تم تقديمه يوم 17 أبريل، فقد أرسل غريفز بريدا إلكترونيا لجون ماسون في 2 يونيو، يشكره فيه على الموافقة على إصدار الترخيص “أنا وفريقي نقدر جدا دعمكم لنا في الحصول على الترخيص على هذا النحو السريع، وكذلك نشكر مجهوداتكم في إيضاح ما يجب علينا فعله في الخطوات القادمة. آمل أن أقابل شخصكم الكريم يوما ما”. ولكن بعد خمس سنوات، توترت العلاقة بين الاثنين، عندما أعلنت لندن الحرب على أوبر لتهدد الشركة بحظر خدماتها في شوارعها.

ويقول روبرت رايت، من صحيفة “فاينانشيال تايمز” إنه “لم يكن القرار الذي أصدرته هيئة النقل البريطانية منذ نحو أسبوعين إلا تتويجا لتوتر العلاقة الذي تنامى فى العامين الماضيين بعد الإجراء القانوني الذي اتخذته أوبر”.

وقد ربطت أوبر وهيئة النقل البريطانية علاقة جيدة في البداية. حيث كان ديفيد بلوف، مدير حملة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما السابق ومدير السياسة العامة الدولية لأوبر في ذلك الوقت، على علاقة وثيقة ببيتر هندي، الرئيس السابق لهيئة النقل البريطانية. استمرت تلك العلاقة الوطيدة حتى بداية عام 2014، عندما وجدت هيئة النقل بلندن نفسها تواجه مشكلتين، هما شعبية أوبر المتزايدة وثورة سائقي سيارات الأجرة السوداء في العاصمة.

حدث ذلك عندما أطلقت شركة أوبر منتج “أوبر إكس”، وهي خدمة سيارة أجرة بسعر أرخص في لندن في يوليو 2013، مما أدى إلى حدوث بعض التغييرات الجذرية في سوق سيارات الأجرة السوداء، أو سيارات الأجرة الخاصة كما تطلق عليها هيئة النقل البريطانية.

كما أن الارتفاع السريع في عدد مستخدمي خدمات أوبر من 50 ألف مستخدم بين عامي 2013 و2014 إلى 78 ألف مستخدم في عام 2016 أدى إلى إثارة غضب سائقي سيارات الأجرة السوداء، الذين وجهوا الاتهامات إلى هيئة النقل بالسماح لأوبر بالعمل كسيارات أجرة خاصة وكتاكسي، مؤكدين على أن التراخي في تطبيق اللوائح هو ما أدى إلى عزوف العملاء عنهم.

وفي عامي 2014 و2015 نظمت نقابة السائقين العديد من الوقفات الاحتجاجية في وسط لندن احتجاجا على الأوضاع.

روبرت رايت: لم يكن القرار إلا تتويجا لتوتر كبير في العلاقة بين هيئة النقل البريطانية وأوبر

وفي ذلك الوقت، طُرحت المسألة للنقاش مرات عديدة في اجتماعات مجلس هيئة النقل، ولا سيما في حضور ممثلي سيارات الأجرة وسيارات الأجرة الخاصة عندما كان بوريس جونسون، وزير الخارجية الحالي، لا يزال يشغل منصب عمدة لندن بين عامي 2012 و2016. ثم تم انتخاب صادق خان، القيادي في حزب العمال المعارض، ليحل محل جونسون في مايو 2016.

ثم احتدم الصراع بين الجبهتين. يقول دانيال مويلان، نائب رئيس هيئة النقل، عندما كان جونسون عمدة لندن كان المبدأ السائد هو أن “أي سياسي في لندن من مصلحته أن يبقي سائقي سيارات الأجرة السوداء إلى جانبه، فهم يملكون نفوذا سياسيا وانتخابيا يفوق أعدادهم. ليست هناك أي أسرار في هذا”.

ثم عملت هيئة النقل على تهدئة الأوضاع من خلال السعي إلى الحصول على حكم قانوني تتم بموجبه إجازة العمل لسيارات أوبر والتطبيقات الأخرى “كعدادات التاكسي”، وتجعلها تخضع لنفس القواعد. وقد أُغلقت قضية هذا الصراع، الذي اتُهمت فيه هيئة النقل بالتورط مع أوبر منذ البداية، عندما حكمت المحكمة العليا في أكتوبر 2015 لصالح أوبر، ومع ذلك استمر الضغط.

عداء مضمر

تثير قصة أوبر مع السلطات البريطانية في لندن كما هائلا من الشكوك حول قدرة تكنولوجيا تطبيقات سيارات الأجرة على التطبيع مع الأنظمة والقوانين القائمة خصوصا في المدن الكبيرة. وبما أن النظام في حد ذاته مازال حديثا، كان من المتوقع حدوث أخطاء بعضها تقني والبعض الآخر قانوني يتصل بسياسة التشغيل.

لكن النمو السريع الذي حققته الشركة في عدة مدن كبرى لم يكن متوقعا. ففي بعض المدن في الشرق الأوسط، تخلت أوبر عن شروطها الصارمة التي كانت تتبعها عند بداية العمليات. ومن بين هذه الشروط الإصرار على تشغيل سيارات حديثة، وإجبار السائقين على الحصول على دورات شهرية ودروس تثقيفية في كيفية التعامل مع العملاء.

وفي لندن، لم يكن ذلك يروق السلطات، التي عادة ما تتبع معايير صارمة تتوافق مع القانون البريطاني، لكن الأكثر من ذلك هو أن العلاقة بين الجانبين كانت تسوء بالتوازي مع الضغوط التي يمارسها سائقو تاكسي لندن الشهير دون توقف.

ويقول مويلان “لم ترحب هيئة النقل بأوبر أبدا. فهم لم يتبعوا اللوائح القائمة منذ البداية، وهو أمر لا يثير الدهشة لأن أوبر مازالت تُعتبر نموذج عمل جديد. وبظهور أوبر، أعتقد أن مشكلة الازدحام زادت عبئا علينا في نفس الوقت”.

ويعتقد مسؤولو هيئة النقل البريطانية أن ارتفاع حركة مرور سيارات الأجرة الخاصة، إلى حد كبير بسبب أوبر، أدى إلى تفاقم شدة ازدحام المرور المتزايد في العاصمة.

وقال ديفيد بيغ، العضو السابق في مجلس إدارة هيئة النقل، إن ارتفاع عدد سيارات الأجرة الخاصة ساعد على إلغاء الفائدة التي حققتها لندن منذ عام 2003 حين تم فرض رسوم الازدحام على حركة المرور التي تدخل إلى وسط المدينة.

ثم ظهرت علامات التوتر في العلاقة بين أوبر وهيئة النقل من خلال لهجة مراسلات البريد الإلكتروني بين الجهتين، والتي تأرجحت بين عامي 2012 و2017 بين الود والعدائية. وبعد زيارة المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لأوبر ترافيس كالانيك، للندن في عام 2014، والتي أعلن خلالها إطلاق خدمة تقاسم الأجرة (أوبر بول)، أثار ذلك غضب هيئة النقل في لندن.

تطبيق سهل تنقل الأشخاص ويكافح لتجاوز العراقيل

وكنتيجة لذلك أرسل ليون دانيلز، المدير الإداري للنقل البري، بريدا إلكترونيا صريحا إلى جو بيرترام، مدير عمليات أوبر في شمال أوروبا، يقول فيه “لم يكن مُرحبا بزيارة الرئيس التنفيذي لأوبر في لندن ومقابلته لمفوض هيئة النقل لأنها حدثت دون أي دعوة. من الواضح جدا أن الصدفة جمعت بين فرصة إعلانه عن منتجه الجديد ’أوبر بول’ وتوقيت زيارته”.

وأضاف “هذه هي المرة الثانية التي تفاجئونا فيها بمبادرتكم. تقولون لنا دائما أنكم سعيدون جدا بموقف هيئة النقل التقدمي والموالي للعملاء. وفي الوقت نفسه، يخبرنا زملاؤنا على مستوى جميع الدول بما ترتكبونه من أخطاء مستمرة والتي تحدد بدورها نبرة رد الفعل التالية”.

مبدأ جونسون

في الوقت الذي كان فيه جونسون عمدة لندن، سعى للحصول على المشورة القانونية في عدة مناسبات حول ما إذا كان ينبغي إلغاء رخصة أوبر. وقالت تقارير لاحقا “ظهرت مخاوف وشكوك الإدارة العليا لهيئة النقل ومجلس المدينة حول مدى أهلية شركة ’أوبر’ للعمل”.

وتقول الكاتبة البريطانية ليزلي هوك “قواعد هيئة النقل الجديدة التي تم إصدارها بشأن المركبات الخاصة في أواخر عام 2015 استهدفت أوبر بشكل رئيسي، ما تسبب في حدوث المزيد من الخلافات، بالإضافة إلى تلميحات أوبر في رسائل البريد الإلكتروني إلى أن هيئة النقل استسلمت لضغوط سائقي سيارات الأجرة السوداء”. وفي الوقت نفسه، كانت الحكومة البريطانية تسيّر الأمور لصالح أوبر.

وفي رسالة البريد الإلكتروني إلى أحد موظفي هيئة النقل في سبتمبر 2015، كتب دانيال كورسكي، أحد مساعدي رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون “إذا تكلمنا بصراحة، فإنني لا أرى سببا مقنعا يجعلنا نناقش تطورات التكنولوجيا والابتكار مع موظفي هيئة النقل، وهم في نفس الوقت يرتكبون مثل هذه الأفعال الجنونية غير المسؤولة مع خدمات سيارات الأجرة الخاصة”. وردا على ذلك، أشار موظفو هيئة النقل إلى أنهم إذا لم يُراعوا جميع الجوانب، فسوف يثير هذا غضب سائقي السيارات السوداء.

وبعد ثلاثة أشهر، تخلت هيئة النقل عن العديد من قواعدها المثيرة للجدل، ولكن قرار أوبر بإحالة القضية للقضاء بسبب بعض القواعد المُدرجة من قبل هيئة النقل، بما في ذلك عمل اختبار لغة إنكليزية جديد للسائقين، لم يساعد في تخفيف حدة التوتر في العلاقات.

ومن جانبهم أنكر سائقو السيارات السوداء الحقيقة بأن تهديد هيئة النقل لأوبر يهدف إلى حماية سوقهم على الرغم من ممارستهم ضغوطا شديدة على مدى السنوات القليلة الماضية. حيث قال ستيف ماكنمارا، من جمعية سائقي سيارات الأجرة المرخصة “لم تكن لهذا الأمر أي علاقة بنا على الإطلاق”.

أما هؤلاء ممن هم على دراية بالقضية، يقولون إن القرار صدر من جهة السياسات التنظيمية لهيئة النقل، ولكن شعور الهيئة بأن أوبر غير مهتمة بتقديم الأدلة لإثبات صحة مطابقتها للمواصفات والقواعد يعدّ اختبارا كونها شركة مطابقة للمواصفات يمكنها الحصول على ترخيص سيارات الأجرة، بدلا من تحكمها في مسار السياسة.

ويبدو أن إنهاء ترخيص أوبر للعمل بلندن بنهاية شهر سبتمبر 2017، هو تحد لا يمكن تفاديه من قبل الجهاز التنظيمي.

13