متى تفكر تونس في تحويل الأندية إلى شركات

السبت 2017/09/23

لن نأتي ببدعة إن قلنا إن عالم الساحرة المستديرة تغير كثيرا وخاصة على المستوى المادي، إذ دون الأموال لا يمكن بلوغ الأهداف المرسومة للأندية الرياضية ولا يمكن المنافسة على الألقاب ولا يمكن الحفاظ على وتيرة العمل في أحسن الظروف.

في تونس معظم أندية كرة القدم تعاني من شح في السيولة باستثناء الفرق المشهورة مثل الترجي الرياضي والنجم الساحلي والنادي الصفاقسي، وإلى وقت قريب النادي الأفريقي، قبل أن يدخل في مأزق مالي كبير عجزت معه إدارة النادي عن دفع رواتب اللاعبين في بعض الأحيان.. وهذه معضلة مزمنة انعكست بشكل بالغ على الدوري المحلي.

لحد اليوم، هناك ميزانية خاصة تصرفها الدولة للأندية سنويا من أجل النهوض بالرياضة، لكن لم يتغير شيء منذ سنوات، بل على العكس تماما فإن الأندية تزداد يوما بعد يوم غرقا في الديون وكثرة المصاريف من جهة، وتتثاقل المصاريف على الدولة التي تمر بأزمة اقتصادية لم تشهد مثلها من قبل رغم محاولات الإنعاش، من جهة أخرى.

وبسبب هذه المشكلات التي تتراكم عاما بعد عام، يتساءل المتابعون للشأن الرياضي حول ما إذا كانت السلطات التونسية قد فكرت يوما في تحويل الأندية الرياضية إلى شركات مساهمة تعيل نفسها بنفسها للتخلص من هذا الحمل الثقيل وتعطي دافعا لتطوير اللعبة على كافة المستويات من ملاعب وإعلانات ورواتب اللاعبين وحقوق البث التلفزيوني وغيرها.

في السعودية بدأ المسؤولون يفكرون بعقلانية للدخول في هذه المغامرة على مراحل من أجل التخلص من أعباء الإعانات السنوية للأندية وجعلها مسؤولة عن تسيير نفسها. ولم لا تتبعها تونس؟.. هل نقص الإمكانيات أم إبقاء الأمور على ما هي عليه حتى يسهل التلاعب بكشوف الحسابات؟

صحيح أن دراسات أجريت في مجال اقتصاديات كرة القدم أثبتت بأن فكرة تحويل الأندية لشركات هي فكرة فاشلة لأن الكثير من الأندية التي سلكت هذا الطريق تحولت في النهاية إلى شركات خاصة أو شركات محدودة المساهمين يمتلك أغلبية أسهمها شخص واحد.

وفي الواقع هناك عدة نماذج لا بد من الوقوف عندها قبل الخوض في مسألة دخول تونس من عدمه في هذا الطريق الذي سيأتي في كل الأحوال بنتائج إيجابية لكافة أندية كرة القدم ويرفع من مستوى الدوري المحلي بشكل أكبر.

التحول المنطقي في تونس في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية هو تعديل قانون نشاط الجمعيات الرياضية

النموذج الأول يتعلق بالأندية المملوكة من قبل فرد واحد مثل تشيلسي الإنكليزي الذي يملكه الملياردير الروسي رومان أبراموفيتش بعدما اشترى النادي في عام 2003 وحوله إلى أحد عمالقة كرة القدم في العالم. أما النموذج الثاني فيتعلق بامتلاك شركة خاصة أو لعدد محدود من الشركات أحد النوادي، مثل أرسنال حيث تنقسم ملكيته بين شركة كرونك سبورتسإنتربرايسس وشركة وايت سيكيوريتيسوعلى أشخاص آخرين.

وهناك نماذج للنوادي المملوكة لقاعدة واسعة من المساهمين، وهذا متبع كثيرا في إيطاليا مثل نادي يوفنتوس والذي تحولت معظم أسهمه إلى مالك واحد في ما بعد وهو رجل الأعمال أندريا أنييلي، المنتمي لعائلة تمتلك شركتي فيات وفيراري لصناعة السيارات.

أما النموذج الآخر فهو الشراكة بين رئاسة النادي وشركة خاصة تملك حصة تبلغ 49 بالمئة وهذا هو نموذج الأندية الألمانية تقريبا. ويتبقى النموذج الأكثر نجاحا وهو النادي المملوك بالكامل لجمعيته العامة ويقوم باستثمار أمواله عبر شركات خاصة مملوكة للنادي وهذا النموذج تعمل به معظم الأندية الإسبانية وفي مقدمتها برشلونة وريال مدريد.

والنموذج الأخير يبدو الأكثر مثالية، لكن من الصعب تطبيقه في تونس لأن وضعية الأندية المادية ضعيفة للغاية، فالأندية ببساطة لا تمتلك شركات خاصة أصلا، كما أنها لا تمتلك ملاعب خاصة بها، وهذا جوهر القضية.

إن التحول المنطقي في تونس في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية هو تعديل قانون نشاط الجمعيات (النوادي) الرياضية في شكله الحالي والذي يمنع الأندية من تعزيز مداخيلها عبر الأنشطة التجارية والاستثمارية، بل يكتفي بالسبل المتاحة منذ سنوات طويلة كعقود الرعاية والإعلان وتسويق أخبارها وفتح متاجر صغيرة لبيع البعض من اللوازم الرياضية الخاصة بالنادي كما هو عليه الحال مع الترجي الرياضي التونسي.

الفكرة قد تكون صعبة في البداية لكن التفكير بها بجدية وعمق سيجعل من الرياضة التونسية استثمارا مربحا ليس لمن سيمتلكون الأندية فحسب، بل للدولة أيضا والتي ستعزز خزائنها بأموال الضرائب المتأتية من تحويل الأندية إلى شركات.

إن تنفيذ الفكرة سينقل الرياضة بشكل عام من النمط السائد حاليا إلى شكل من أشكال السياحة الرياضية بالنظر إلى تنقل الجماهير برفقة الأندية التي تشجعها في كل مباراة سواء داخل تونس أو خارجها، ما يعني أن الملاعب ستمتلئ وبالتالي فإن خزائن الأندية لن تكون فارغة بعد اليوم.

كاتب وصحافي تونسي

22