متى ستنصف "شمهودة"؟

الأربعاء 2017/11/01

“يلطم لطم شمهودة”.. كثيرا ما سمعت هذا المثل في طفولتي رغم أني لم أكن أفهم معناه.. ربما لأن القصص الموجعة الحقيقية هي التي تجري مثلا فتكون عبرة.. وهي التي بالمقابل تحتاج منّا أن نخوض تجربة مشابهة أو قريبة من قصة المثل لكي نحسّ ونفهم معناه.. على الرغم من أنّ الأمثال تضرب ولا تقاس.. لكننا في النهاية بحاجة إلى أن نعيش ولو شيئا من قصتها.. ولست هنا بصدد الحديث عن الأمثال لكنني أحاول فقط أن أقترب من التعريف بفكرة “شمهودة”.

يحكي المثل العراقي قصة امرأة ريفية طيبة القلب كانت تدعى شمهودة.. كانت تشارك الناس أفراحهم وأتراحهم.. فهي ما إن تسمع بأي خبر حزين أو سعيد حتى تهرع إلى أصحاب الشأن لتقف إلى جانبهم وتقوم بمساعدتهم ومساندتهم بكل طيبة وإخلاص.. حتى إنها كانت تبلي بلاء حسنا في المآتم والعزاءات فكانت تلطم وتبكي بحرقة كأن الفقيد عزيزها أو لكأنها المفجوعة بفقده دون أهله.. لكنها لم تكن تجد بالمقابل من يكافئها على حسن صنيعها.. فما إن ينتهي اللطم ويحين موعد تقديم الطعام حتى تُنسى شمهودة.. فلا أحد يهتم بها.. بل وتترك لتأكل مع الصغار.. ربما لأنها طيبة ولم تكن تطلب مقابلا لما تفعل.. فكان المثل “يلطم لطم شمهودة”.. فشمهودة التي تلطم مع الكبار وتأكل مع الصغار أصبحت مثلا لمن يقع عليه الظلم والغبن ومن لا يجازيه الآخرون إلا بالإهمال وبنكران الجميل.. أو لمن يكدّ ويتعب ولا يلقى جزاء على عمله.

وثمة مثل آخر قريب منه جدا.. شائع في جنوب العراق.. وهو “لطم إهريجة”.. وإهريجة هذه كانت تلطم عند أهل العزاء وتتعشى في بيتها.. لأنها ربما كانت تنتمي إلى طبقة اجتماعية فقيرة أو هامشية غير جديرة بالاهتمام مثل سواها.. فهي لا تجد من يقدّم لها الطعام ويهتم بها بعد أن تقدّم واجب المواساة.. فتعود إلى بيتها خائبة تأكل ما تجده أمامها من بقايا بدل أن يكافئها أصحاب المصاب على مواساتها بالشكر والعرفان.

وكثيرة هي الحالات التي تذكرنا بإحساس شمهودة بالغبن والظلم.. مثل إحساس الموظف المتفاني في عمله الذي يكافئ المدير سواه من غير المستحقين.. أو إحساس الصديق المخلص الذي يساند صديقه ولا يجد في الشدة من يسانده.. أو إحساس العاشق أو العاشقة التي تمنح قلبها وروحها لمعشوق تتفانى في حبه ولا تلقى منه في النهاية غير الجحود والغدر.

وقد يحيلنا المثل إلى ما هو أدهى.. مثل شعب كريم سخي اعتاد أن يجزل العطاء للغير.. واعتاد احتضان جيرانه وإخوته ومساندتهم والوقوف معهم في السراء والضراء.. لكنه ما إن مرّ بأزمة أو ظرف صعب.. حتى وجد نفسه وحيدا وقد تخلى عنه الأخ قبل الصديق.. وإذا بمن كان يأكل من زاده ويشرب من نهريه يشيح بوجهه عنه ويلفيه وحيدا..

ولن ازيد هنا بسوى القول: إن كريم النفس والقلب لا ينتظر جزاءً أو شكرا من أحد.. وربما كانت شمهودة غير مبالية بحيف أو غبن.. لكننا جميعا نملك أن ننصف شمهودة.. وأن نتحذر أيضا فلا نسمح للآخر أن “يشمهدنا” بأن يستخفّ بعطائنا ومحبتنا..!

شاعرة عراقية

21