متى كانت سوريا دولة ناجحة حتى تصير فاشلة

الأربعاء 2014/06/11

بشكل عام، من الصعب الاختلاف مع السيّد الأخضر الإبراهيمي الذي كان حتّى نهاية مايو الماضي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية في سوريا. ففي تقويمه للوضع السوري، نتيجة الجهود التي بذلها طوال عامين بحثا عن حلّ سياسي، رأى وزير الخارجية الجزائري السابق أن “الصراع لن يبقى داخل سوريا.. وثمّة خطر جدّي من أن تنفجر المنطقة بأسرها”.

لا يمكن إلّا التوقف عند كلّ كلمة تصدر عن الرجل، الذي اقترب من الثمانين، نظرا إلى خبرته الطويلة والعميقة في كل ما له علاقة بالدبلوماسية والسياسة.

قبل كلّ شيء، إن الأخضر ليس ابن البارحة في السياسة وفي التعاطي مع الأزمات، خصوصا أنّه سبق له أن عمل مع الأمين العام للأمم المتحدة في شأن ملفات كثيرة، بينها أفغانستان والعراق واليمن.. وحتى هايتي، كما كان مكلّفا، عربيا، بإيجاد تسوية في لبنان في مرحلة الإعداد لمؤتمر الطائف، وفي مرحلة ما بعد توقيع اتفاق الطائف وإصرار ميشال عون، قائد الجيش وقتذاك، على التمرّد والبقاء في قصر بعبدا بصفة كونه رئيسا لحكومة مؤقتة مهمتها محصورة بالإعداد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

يعتبر الإبراهيمي من المعتادين على كيفية التعاطي مع شخصيات ضيّقة الأفق مثل ميشال عون أو غيره أو ما شابهه. لكنّ ذلك لا يمنعه من قول كلام صريح، بل صريح جدا في بعض الأحيان. الدليل إشارته في حديثه إلى مجلة “در شبيغل” الألمانية إلى أنّ “دولا عدّة أساءت تقدير الأزمة السياسية، إذ توقّعت انهيار حكم الرئيس السوري بشار الأسد كما حصل مع بعض الزعماء العرب الآخرين وهو خطأ تسبّبت (هذه الدول) في تفاقمه بدعم جهود الحرب بدل جهود السلام”. هنا يحاول المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية توزيع اللوم في استمرار المأساة السورية، وليس حصره في النظام وفي إصراره على الانتصار على شعبه.

أراد باختصار الظهور في مظهر الدبلوماسي المحايد الذي لا يتجاهل أنّ هناك من يدعم الثوّار، أي الشعب السوري، على غرار دعم إيران وروسيا النظام في عملية ذبح ثورة شعبية حقيقية، ما كانت لتستمرّ لو لم تكن كذلك.

قد يكون كلام الإبراهيمي دقيقا كما قد لا يكون كذلك. لكنّ ثمة نقطة مهمّة، بل محورية في الحديث، يفترض التوقّف عندها. تتعلّق هذه النقطة بالتخوّف من أن تصبح سوريا “دولة فاشلة” يديرها زعماء ميليشيات على غرار الصومال، مما يشكّل خطرا جسيما على مستقبل الشرق الأوسط.

متى كانت سوريا دولة ناجحة، حتى تصبح “دولة فاشلة”؟ كي تصبح سوريا دولة فاشلة، لابدّ من أن تكون المقارنة مع نجاح ما في مرحلة ما. الكلام هنا لا يتناول الشعب السوري الذي خرج منه مئات آلاف الناجحين من أطباء ومهندسين وعلماء ورجال الأعمال منتشرين في كلّ أنحاء العالم، بما في ذلك لبنان. في لبنان، بعض أفضل المصرفيين والتجار ووكلاء الشركات الكبيرة والصناعيين أو متعهدي إقامة مشاريع البناء، مواطنون سوريون أو من أصول سورية.

كان الفشل رديفا للكيان السوري منذ الاستقلال. كان الشعب السوري باستمرار الضحية. لم يتغيّر شيء في سوريا كي يصبح في الإمكان الحديث عن دولة فاشلة والوصول إلى مقارنة بين الوضعين السوري والصومالي حيث لم يعد وجود لا لدولة ولا لنظام منذ إطاحة محمّد سياد برّي في العام 1991. هل صدفة أنّ الانقلاب العسكري الأوّل في دولة عربية مستقلّة كان في سوريا؟ كان الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم في العام 1949 فاتحة عهد الانقلابات العسكرية التي أدّت لاحقا إلى كوارث في مصر والعراق وليبيا والسودان والجزائر.. وصولا إلى موريتانيا والصومال.

ليس طبيعيا الكلام عن الخوف من أن تتحوّل سوريا إلى دولة فاشلة. حيث حصل انقلاب عسكري، صارت هناك دولة فاشلة تتاجر في معظم الأحيان بفلسطين والفلسطينيين والقضية الفلسطينية. ما نشهده اليوم في سوريا هو تتويج للفشل، أو على الأصحّ لتراكم الفشل الذي كان على كلّ المستويات، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. هل من فشل أكبر من هرب الحكم في سوريا إلى الوحدة مع مصر في العام 1958؟ ما هي مقوّمات تلك الوحدة باستثناء حكم سوريا عن طريق نظام أمني سعى إلى مدّ تجربته الخرقاء إلى لبنان.

ليس الفشل وليد اليوم في سوريا. من أمّم الشركات الصناعية والتجارة كان يزرع بذور الفشل في سوريا. من أمّم الأراضي الزراعية، بدل العمل على تطويرها وتطوير العلاقات بين المزارعين وأصحاب الأرض، إنّما كان يعمل من أجل إفقار سوريا ونشر البؤس فيها.

هذا غيض من فيض مما فعلته الأنظمة المتلاحقة في سوريا منذ الاستقلال، وصولا إلى الحكم الطائفي الذي صار في أيّام بشار الأسد حكم العائلة الواحدة المرتبطة بعلاقات عضوية مع إيران ومع ميليشيات مذهبية في لبنان والعراق تحت شعارات “المقاومة”.

لاشكّ أن الأخضر الإبراهيمي حاول توجيه رسائل عدّة في اتجاهات مختلفة تأكيدا لدوره كوسيط نزيه يتمتّع بالكفاءات التي يفترض أن يتحلّى بها ممثل للأمين العام للأمم المتحدة. ولذلك، كان تركيزه الدائم على عدم تجاهل إيران أو روسيا لدى البحث عن حلّ. وهذا أمر طبيعي عندما يكون الوسيط الدولي سياسيا محترفا. كذلك، كان في غاية الدقة عندما لاحظ أنّ النظام السوري ما كان ليرسل وفدا إلى مؤتمر جنيف الأخير لولا أنّه كان يريد استرضاء موسكو.

عرض الأخضر الإبراهيمي خلاصة تجربته السورية، علما أنّها ليست المرّة الأولى التي يتعاطى فيها مع النظام، الذي يعرف اللبنانيون كم هو فاشل منذ حاول حكم الوطن الصغير وإلحاقه به عن طريق التخويف وإرهاب المواطنين، خصوصا المسيحيين منهم، مستخدما المسلّحين الفلسطينيين.

كان عرضه من خلال “در شبيغل” أكثر من مفيد، على الرغم أن من الظلم المساواة بين الدورين السعودي والإيراني في سوريا. فالسعودية، على الرغم من بعض المآخذ، تحاول مساعدة الشعب السوري، فيما إيران تريد مساعدة نظام على استعداد لتحويل سوريا إلى مجرّد دولة مُستعمرة وإقليما إيرانيا يؤمن بأنّ لا مستقبل له من دون وجود شيء اسمه حلف الأقلّيات.

لا خوف إطلاقا على سوريا من أن تصبح “دولة فاشلة”. الخوف كلّ الخوف من تراكم الفشل المستمر منذ ما يزيد على ستة عقود، وهو فشل يأخذ حاليا شكلا جديدا عبر انبعاث الغرائز المذهبية التي تراهن عليها إيران من أجل إنجاح مشروعها الإقليمي القائم على امتلاك كلّ ما تقع عليه يدها من أوراق للتفاوض مع أميركا وإسرائيل من موقع قوّة.


إعلامي لبناني

8