متى نلحق بركب كيغالي

الثلاثاء 2016/10/25

الشعور بالصدمة الثقافية والحضارية هو أول ما يعتري المسافر إلى دول الضفة الشمالية للمتوسط، وهو الشعور ذاته الذي يتوارثه العرب، جيلا بعد جيل، منذ سفر الطهطاوي ورفاقه إلى عاصمة الأنوار باريس، منتصف القرن التاسع عشر.

ورغم ما شهده العالم خلال كل تلك السنين من تطور هائل في الصناعة والنقل والاتصالات، فإن الصدمة تزداد عمقا والفجوة الاقتصادية والحضارية تزداد اتساعا، كل يوم، حتى أنه أصبح من السذاجة بمكان ترديد تلك المقولة الحالمة باللحاق بركب الحضارة المتقدمة. فهذا السباق مع الزمن لا يخرج عن كونه عبثيا في ظل التفاوت الكبير في سرعة التقدم وحالات التقهقر المستمر للعالم العربي، بما في ذلك، دول الربيع العربي الموعودة بالديمقراطية والازدهار، وفي مقدمتها النموذج التونسي.

فالترتيب الأخير الذي نشرته الصحيفة الألمانية “فرانكفورتر ألجماينة” بشأن الدول الأكثر تقديما للفرص المستقبلية للشباب، جاء ليرشح بالكثير من الدلالات المحبطة، لا ترتبط فقط باتجاهات المجتمعات الغربية المتهرمة التي تصدرت كعادتها الترتيب بمنحها آفاقا رحبة للشباب، ولكن على النقيض من ذلك هو استمرار الدول المتأخرة في الترتيب ومن بينها تونس التي حلت في المركز 110 من بين 183 دولة، في التغاضي عن تحفيز الشباب والكفاءات وضعف الفرص المتاحة لهم في العمل والتعليم والصحة والمشاركة السياسية والمبادرات المدنية، وهي المؤشرات الرئيسية المعتمدة في التصنيف.

في الواقع، قد لا يأتي هذا الترتيب بجديد في ما يتعلق بوضع الدول العربية مقارنة بدول الشمال، لكن حجم الإحباط يصبح مضاعفا إذا ما ألقينا الضوء على ما يحصل في الفناء الأفريقي، الفضاء الذي كان يوصف حتى وقت قريب بالعالم الرابع وبمستنقع المجاعات والتخلف والحروب الأهلية.

كان ذلك في ما مضى، لكن اليوم وعلى عكس دول الربيع العربي تجتاح تلك المنطقة المتعافية طفرة اقتصادية كبرى جعلت دولا صاعدة مثل رواندا وبوتسوانا وكينيا ودولا أخرى وجهات مستقطبة للكفاءات والاستثمارات، ناهيك أنها تحقق في السنوات الأخيرة معدلات نمو تفوق 7 بالمئة في المتوسط.

ومع هذا، يمعن الساسة وصناع القرار عندنا في التغاضي عما يحصل من حولنا وعدم الاستفادة من دروس أفريقيا، وكيف أن دولا في هذه القارة اختارت بإرادة سياسية حقيقية ومشتركة مسارات فعالة مكنتها من تحقيق نسب نمو اقتصادية مذهلة في فترات قياسية ترافقت مع إصلاحات سياسية ونجاح لافت في الحوكمة.

صحيح أن النموذج التونسي المختلف في المنطقة العربية، وعلى عكس تلك الدول نجح في أن يكسب نوبل السلام كونه استطاع أن يتفادى الأسوأ، مذابح رواندا على سبيل المثال، لكن يصبح هذا الإنجاز فاقدا لأي معنى إذا لم يمنح دفعة فعلية للانطلاق في الإصلاحات المطلوبة، لاحقا. ويزداد هذا الامتياز تهميشا إذا ما قسنا على ذلك السجل الرواندي المضطرب، والذي استطاع أن ينهض من تحت الركام مع فارق مهم: أنه تحمّل كلفة باهظة جدا للحرب الأهلية بين الهوتو والتوتسي بداية التسعينات، فضلا عن حملات التطهير العرقي التي استنزفت أكثر من مليون ضحية من سكان البلد ومن طاقاته الإنتاجية، إلى جانب انهيار تام للبنية التحتية والخدمات ووضع اقتصادي تحت الصفر ودولة مفلسة.

وسط كل هذا بدأت رواندا قصة نجاحها من العدم منذ نحو عقدين وهي تقدم اليوم للعالم عاصمتها كيغالي كأفضل نموذج للمدن الناجحة والمتطورة والصديقة للبيئة في القارة والأكثر تحقيقا للنمو، بشهادة البنك الدولي في دراسة له كان نشرها في عام 2015.

اليوم تتقدم كيغالي بميزاتها الطبيعية والبيئية وبجودة الحياة بأشواط كبيرة عن كافة المدن التونسية، مع أن تونس ما بعد الثورة لم تأت من رحم الحرب الأهلية والدمار والإفلاس، لكنها أهدرت الكثير من الوقت في التردد والنفاذ إلى الإصلاحات الأولية والمفصلية لأي مرحلة انتقالية وفي مقدمتها مكافحة الفساد وإصلاح الإدارة والقضاء وإرساء العدالة الاجتماعية وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار. والأهم من ذلك تعزيز سلطة القانون.

من دون شك تستحق كيغالي المجتهدة والمثابرة وعدة مدن أخرى في أفريقيا، أن تكون بمثابة قصص ملهمة لتونس وخاصة دروسا تتعلم منها الديمقراطية الناشئة كيف يمكن أن تتحول بجهودها وإرادتها الفعلية من عبء على شركائها وعلى المنظمات المالية الدولية إلى وجهة جاذبة ومحفزة للكفاءات وواعدة للاستثمار ويطيب فيها العيش.

كاتب من تونس

4