متى يتوقف الإنسان عن ملاحقة فصائل حيوانية كاملة

يواجه العالم أخطر انقراض للأجناس الحية من الحيوانات والنباتات، وتوجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى الإنسان، من خلال ممارساته الخاطئة، ومن بينها الصيد الجائر والاتجار غير المشروع ببعض الكائنات من الحيوانات والنباتات، بالإضافة إلى التغير المناخي والتلوث البيئي بسبب أزمة الاحتباس الحراري.
السبت 2017/03/04
جرائم في زمن حقوق الإنسان والحيوان

تونس - يتقاسم أغلب التونسيين حالة من الاستياء بعد حادثة نفوق تمساح في حديقة حيوانات بطريقة وحشية تحولت إلى حديث الشارع ووسائل الإعلام الدولية، في وقت يحتفل فيه العالم باليوم العالمي للحياة البرية تحت شعار “استمعوا إلى الأصوات الشابة”، بهدف تشجيع الشباب على مواجهة التهديدات المستمرة للحياة البرية، بما في ذلك التهديدات التي تؤثر سلبا على الموائل، والاستخدام غير الرشيد والاتجار غير المشروع في الأحياء البرية.

وتناقلت وسائل الإعلام على مدى يومي الأربعاء والخميس صورا مفزعة ظهرت على الصفحة الرسمية لبلدية تونس في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

وتبين الصور تمساحا مثخنا بالدماء بعد تلقيه لضربات بالحجارة من الحجم الكبير، أصابت رأسه فأردته قتيلا.

وليس واضحا سبب هذا الهجوم الوحشي على التمساح رغم مساحة الأمان الفاصلة بين الزائرين والحيوانات البرية في حديقة البلفيدير للحيوانات بالعاصمة.

ويعتبر اليوم العالمي للأحياء البرية الذي ينتظم في 3 مارس من كل سنة فرصة للاحتفال بالكائنات المتعددة والجميلة من الحيوانات والنباتات البرية، ولإبراز أهمية حماية الطبيعة بالنسبة إلى الإنسان وزيادة وعيه بهذا المجال.

ويذكرنا هذا اليوم بالحاجة الملحة إلى تكثيف مكافحة التجاوزات الإجرامية التي ترتكب في حق الأحياء البرية، والتي يعزى إليها تأثير واسع على الحياة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

ويتفق علماء البيئة على أن جميع الأجناس؛ الإنسان والحيوان والنبات، تشارك كلها في تركيبة الحياة وديمومتها على سطح الكرة الأرضية، وأي خلل يصيب أي عنصر من عناصر المعادلة يعرض عملية البناء إلى مخاطر عديدة، فهناك بعض الأنواع من الحيوانات والنباتات معرض للانقراض بسبب التغيرات والتقلبات البيئية والمناخية، وأن البعض الآخر انقرض فعلا، وهذا هو الإنذار الأشد خطورة للحياة على الكرة الأرضية.

القائمة الحمراء تسجل فقدان ثدييات وطيور وبرمائيات

الانقراض الجماعي السادس

يحذر العلماء من أن الأرض دخلت مرحلة الانقراض الجماعي السادس بوجود حيوانات تموت بمعدل يزيد مئة مرة على المعدل الطبيعي، محملين البشر مسؤولية ذلك. وتبرهن التقارير العلمية أن البشر خلقوا مزيجا ساما من فقدان الموائل، والتلوث، والتغير المناخي، ما أدى بالفعل إلى فقدان ما لا يقل عن 77 نوعا من الثدييات، و140 نوعا من الطيور و34 نوعا من البرمائيات منذ عام 1500.

ومن أمثلة تلك المخلوقات التي انقرضت طائر الدودو، وبقر البحر في شمال المحيط الهادئ، وذئب جزر فوكلاند، وحمار الكواجا المخطط، وفهد فورمسان المرقط، والدب الأطلسي، ونمر قزوين، وأسد جنوب أفريقيا.

في عام 2013 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة 3 مارس من كل عام يوما عالميا للأحياء البرية، ويوافق اليوم نفسه اعتماد اتفاقية التجارة الدولية لأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض عام 1973 التي تلعب دورا مهما في ضمان ألا تشكل التجارة الدولية تهديداً لبقاء هذه الأصناف.

وفي 3 مارس من كل عام يصدر الاتحاد العالمي للمحافظة على البيئة ما يعرف بـ”القائمة الحمراء” التي تحمل أنواع الحياة البرية المختلفة والمهددة.

ولتصور مدى الأخطار التي تهدد الآلاف من الأنواع، تكفينا الإشارة إلى أن أعداد الزرافات تراجعت بما يصل إلى 40 بالمئة منذ الثمانينات من القرن الماضي بحسب قائمة العام الماضي، في ما وصف بأنه “انقراض صامت” بسبب الصيد الجائر.

يقول رئيس وحدة القائمة الحمراء كريج هيلتون تيلور، إن الجفاف وتغير المناخ من العوامل التي تفاقم أوضاع الحيوانات والنباتات البرية سوءا، إضافة إلى أن تزايد تنافس الإنسان على موارد تتناقص في الأساس، يدفع كل عام بالعشرات من الأنواع إلى “القائمة الحمراء”.

ويشير إلى أن بعض الأنواع ذات الأهمية الاقتصادية البالغة أضيفت إلى القائمة الحمراء، وعلى رأسها جميع أنواع نبات السحلبية، الزلق المداري الآسيوي، وعددها 84 نوعا (وهي زهور زينة عالية القيمة) والتي بات يتهددها خطر الانقراض بسبب زيادة معدلات قطفها علاوة على فقدان الموئل.

وهناك أيضا 9 من 17 نوعا من فصيلة نبات الشاي البري معرضة لخطر الانقراض لاستخدامها الجائر في صنع الشاي، والنباتات الطبية ونباتات الزينة والحطب الذي يحُرق للتدفئة.

ويواجه فصيل من أصل 5 فصائل خطر الانقراض حاليا، وبحلول نهاية القرن ربما يموت نصف حيوانات الكرة الأرضية، حسبما حذر خبراء.

ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، يواجه النمر ووحيد القرن تهديدات بالغة من الصيادين الذين يبيعون أجزاء من الحيوانات إلى سوق الأدوية الصينية. وفي التقرير تم تسليط الضوء على الأهمية المتساوية أو حتى الأكبر للمخلوقات والنباتات الأقل شهرة، حيث تلعب دورا مهما في الحفاظ على المجال الحيوي للأرض.

وأوضح أن هذه الفصائل غير المعروفة جيدا من الناس تمتص انبعاثات الكربون وتجدد التربة وتسيطر على الآفات.

وجاء في التقرير أن النسيج الحي للعالم ينزلق من بين أيدينا دون إظهار أي اهتمام.

أهمية حماية الطبيعة بالنسبة إلى الإنسان

ونقلت ديلي ميل عن عالم الأحياء بول إرليخ، من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا، “تمتص الدول الغربية الغنية الآن موارد الكوكب وتدمر أنظمته البيئية بمعدل غير مسبوق”.

وأضاف “نريد بناء طرق سريعة عبر سيرينجيتي في تانزانيا للحصول على معادن أرضية نادرة من أجل هواتفنا المحمولة. ونصطاد جميع الأسماك من البحار وندمر الشعاب المرجانية ونشبع الغلاف الجوي بثاني أكسيد الكربون. لقد أثرنا احتمال انقراض هائل. والسؤال كيف يمكننا إيقاف ذلك؟”.

حماية الحيوانات في العالم العربي

تعتبر حادثة نفوق التمساح التي جرت مؤخرا في حديقة الحيوانات بالعاصمة التونسية حادثة عرضية، إذ أن اهتمام الدول العربية بحماية الحيوانات من الانقراض يظهر تأكيد الدول على أهمية الحيوانات الأليفة والبرية في حياة الإنسان والحفاظ على التوازن البيئي الذي أصبح اليوم مهددا أكثر من أي وقت مضى نتيجة تزايد التعداد السكاني في العالم وما صاحبه من تلوث.

ولحماية بعض الحيوانات من خطر الانقراض بسبب قلة أعدادها أو ارتفاع نسبة افتراسها أو تغير بيئتها سنت بعض الدول العربية قوانين للحفاظ على تلك الأنواع.

على سبيل المثال منعت بعض الدول الصيد الجائر وأنشأت محميات، وأصبحت حماية الحياة البرية إحدى الممارسات متزايدة الأهمية بسبب الآثار السلبية لتصرف الإنسان عليها، وجعلت أخلاقيات حماية البيئة، إضافة إلى الضغط الذي يمارسه حماتها، من هذه القضية مسألة بيئية مهمة.

وأفردت دولة الإمارات العربية الحيوان المهدد بالانقراض باهتمام خاص من خلال المحميات وبعث مراكز حماية وإكثار الحيوانات، منها مركز حماية الحيوانات العربية البرية المهددة بالانقراض في الشارقة منذ سنة 1998.

وأصبح المركز مرجعا على المستويين الإقليمي والعالمي، فهو يسعى لتشجيع ودعم جهود دول المنطقة في الحفاظ على حيوانات شبه الجزيرة العربية، وذلك من خلال تزويد المراكز والمؤسسات المهتمة بأصناف عدة من الحيوانات النادرة، بالإضافة إلى دعم القاعدة المعلوماتية والخبرات المكتسبة في هذا المجال تحت إشراف فريق طبي متخصص في علوم البيطرة يوفر الرعاية الكاملة من خلال الفحوص الدورية وتقديم التطعيم ضد الأمراض، إلى جانب إجراء العمليات الجراحية اللازمة للحيوان المريض.

ولأن الحيوانات في الوطن العربي وحول العالم بحاجة إلى التكاثر من أجل استعادة التوزان البيئي، تقول هناء سيف السويدي مدير هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة “علينا كهيئات بيئية أن نواصل العمل من أجل استمرار البرامج التوعوية والتثقيفية، بشأن عدم صيد أو قتل الحيوانات”.

الدول العربية تسن قوانين للحد من الصيد الجائر

وفي سلطنة عمان التي تمتاز بثرائها البيئي، ووجود حيوانات ذات أهمية تعيش في بيئتها الطبيعية المتخمة بالتحديات، التي جعلت هذه الحيوانات تعد من الحيوانات النادرة المهددة بالانقراض، خصصت محمية جبل سمحان الطبيعية في محافظة ظفار لحماية النمر العربي تلك السلالة النادرة التي اتخذت من الجبال موئلا لها فانحسرت بعد ذلك لتستقر في جبال ظفار.

وتواصل السلطنة تنفيذ مشروع تطويق النمر العربي داخل المحمية بهدف دراسة دورته الحياتية، وهجرته السنوية، ومواسم التكاثر وغير ذلك من المعلومات ذات الأهمية العلمية لدراسة هذا النوع من الكائنات.

ويقول عبدي عارف، نائب مدير محمية الوبرة للحيوانات الفطرية في قطر، عن الجهود المبذولة لحماية الحياة البرية، “أهم الأنواع المهددة بالانقراض؛ ببغاء سبيكس والمهر العربي والحمار الصومالي البري وغزال داما وغزال أدكس والقط العربي الرملي وطيور الجنة. لقد اتجهت قطر نحو إنشاء محميات طبيعية في المواطن الأصلية لهذه الحيوانات المهددة”.

ويقول صلاح بهبهاني، مدير الأحياء البرية في المركز العلمي في الكويت، “من أهم الحيوانات المهددة، القط البري والسلاحف البحرية والصل الأسود وطائر الحبارى والشعب المرجانية وبعض أنواع الأسماك والطيور البحرية، ولدينا جهود مشتركة بين الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية والهيئة العامة لشؤون البيئة ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، بهدف توعية الجمهور بأهمية صون الحياة البرية والمساهمة في حمايتها، والتوقف عن السلوكيات التي تشكل خطرا على البيئة الفطرية”.

ويضيف، “أيضا أنشأت الدولة محميات طبيعية تضم جميع الحيوانات المهددة، ومن أهمها محمية جابر الأحمد البحرية، وجزيرة بوبيان وربة، وتعتبر من أهم مواطن الروبيان والأسماك والطيور البحرية، لأنها تمثل مصبا لنهري دجلة والفرات.

ويؤكد طبيب بيطري في حديقة غمدان للحيوانات في الأردن، أهمية سن قوانين صارمة للحد من صيد أو قتل الحيوانات المهددة بالانقراض.

وقال، “أغلب الدول العربية لديها قوانين تجرم صيد الحيوانات، ولكنها بحاجة إلى تفعيل حتى تصبح رادعة لكل من يتجاوزها، ومن أهم القوانين في المملكة الأردنية، منع صيدها واقتنائها بشكل فردي، وفي حال وجدت مع الأفراد تصادر على الفور، ونحن كحديقة حيوان أنشأنا بنكاً بيئياً للحفاظ على هذه الحيوانات، يعيش فيه الذئب الرمادي والضبع المخطط، بهدف إكثارهما، وإطلاقهما في الحياة البرية.

ويقول عادل محمد العوضي، مسؤول في محمية العرين في البحرين، “أهم الحيوانات المهددة في المملكة، المها العربي والغزال الجبلي والغزال البحريني (الريم)، وكان هذا الأخير على حافة الانقراض، وبفضل الجهود المبذولة، تكاثر وتجاوز المراحل الخطرة” .

ويضيف، “منعت البحرين صيد الحيوانات والطيور، وخصصت المنطقة الجنوبية من الجزيرة لتكاثر غزلان الريم بشكل طبيعي، إضافة إلى إنشاء محميات طبيعية، منها جزر حوار والعرين، ومن جهود المملكة في حماية الحياة البرية إلحاق الفنيين والخبراء بدورات تدريبية وورش عمل ومؤتمرات تتعلق بهذه القضية”.

20