متى يدرك اليسار العربي أن الوحدة لا تتناقض مع التعددية

الأربعاء 2015/01/07
السيسي تفطن إلى ضرورة الوفاء للتراكمات التي حققها المصريون منذ عقود

ما أشبه الليلة بالبارحة على الساحة المصرية بين ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 25 يناير 2011 وثورة 30 يونيو 2013، فالانقسام هو السائد بين الأمس واليوم وإن اختلفت القوى السياسية والفكرية وجرت الكثير من المتغيرات والتطورات العالمية، وهو ما يفرض على هذه القوى القيام بمراجعات عميقة حتى تتيقن من أنّ الوحدة حول المشروع الوطني لا تتناقض مع التعددية.

من أجل سبر أغوار الحراك السياسي الجديد الذي تعيشه مصر اليوم، لا مناص من إلقاء نظرة على جملة التراكمات التي مرت بها البلاد منذ عقود من وجهة نظر تُسلّط الضوء على أداء اليسار المصري انطلاقا من وثائقه وطروحاته النظرية منذ الاستقلال.

وفي هذا السياق، يقدّم المفكر اليساري والخبير الاقتصادي سمير أمين في كتابه الذي يحمل عنوان “قضايا الشيوعية المصرية.. وثائق الحزب الشيوعي المصري(الراية)”، قراءة في ثلاث وثائق للحزب الشيوعي المصري تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 و1957 (مطلع العهد الناصري)، وتخصّ السجال الذي انخرط فيه الطرفان: جمال عبدالناصر ونظامه من جانب والشيوعيون المصريون من الجانب الآخر، وتشتمل على ملخّص لوجهات نظر الحزب الشيوعي المصري “الراية”، وملخص نقد مواقف الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني(حدتو) في ما يتعلق بما اتخذته ثورة 1952 من سياسات اقتصادية وسياسية واجتماعية وإصلاحية.

ومن خلال الوثائق الثلاث المعنونة بـ “تحليلان”، و”بعد تأميم قناة السويس″، و”ثلاثة أعوام من نضال الفلاحين”، يرى أمين أنّ “التّحري عمّا حدث أيام الناصرية يُفيد في إدراك حدود الحوار الراهن الذي تعيشه مصر، والذي يكاد يشبه حوار الطرشان الذي جرى بين عبدالناصر والشيوعية المصرية القديمة”، كاشفا أنّ هذه الوثائق تلفت إلى أوجه القصور التي شابت هذا الحوار، وما زالت تتسم بها الحركة الشعبية الديمقراطية الوطنية الراهنة في مصر بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو.


أين يكمن زيف الخطاب الليبرالي؟


يسمي سمير أمين المرحلة الراهنة مصريا وعربيا وعالميا بـ “الفيروس الليبرالي” الذي يرى أنه “تفشى كالوباء بفعل الخطاب الذي تكرره عدة وسائل إعلام ليلا نهارا”، مسوّقا اليأس بين الناس ليطرح بدائله على أنها الوحيدة القادرة على إيجاد الحلول. وتتلخّص المقولات المكوّنة لهذا الخطاب في:

قضية الجمع بين وحدة العمل في النضال وتعددية الأطراف تقع في قلب التحدي الذي تواجهه الحركة الثورية المصرية

* أولا؛ أنّ المفاهيم والطموحات الوطنية (الناصرية في ظروف مصر) تنتمي إلى ماض طويت صفحته نهائيا مع انتهاء عصر الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي من جهة والغرب من جهة أخرى.

* ثانيا؛ أنّ مواجهة جوهر تحدي اليوم تقتضي قبول العولمة والانخراط في إطارها، كما تقتضي إعطاء الأولوية في الممارسة السياسية للاعتماد على مبدأ الديمقراطية الانتخابية متعدّدة الأحزاب، ويمثل المبدآن الهدفين المطلوبين والممكنين الوحيدين اللذين يفيدان المجتمع.

* ثالثا؛ أنّ ما يسمّونه “الديكتاتورية العسكرية” هي التي حكمت مصر منذ عام 1952 أي منذ 60 عاما دون انقطاع، وأن أول انتخابات “صحيحة” سلّمت السلطة إلى مدنيين كانت تلك التي جاءت بمحمد مرسي والإخوان.

* رابعا؛ أنّ قيادة القوات المسلحة قد أطاحت بمرسي بطريقة يسوّقون إلى أنها “غير شرعية” في يوليو 2013.

* خامسا؛ أنّ الخُروج من المأزق (الفوضى وانهيار الاقتصاد وخطر الحرب الأهلية) يُفترض التّسليم بحُكم الإخوان ومرسي.

وتفاعلا مع هذه النقاط الخمس السابقة، يرى سمير أمين “أنّ مجرد نظرة بسيطة وباردة للأمور كفيلة بأن تدحض كل فقرة من الفقرات سابقة الذكر، باعتبارها مقولات لا تسعى إلاّ إلى تكريس هيمنة القوى المسيطرة عالميا (الاستعمار الليبرالي) وحلفائها المحليّين (الحكومات في دول الجنوب الّتي تقبل بهذه الأوضاع)، لا غير”.

كتاب يقدم قراءة في ثلاث وثائق للحزب الشيوعي المصري تعود إلى الفترة ما بين عامي 1955 و1957

كما يوافقه في ذلك عدد من المراقبين الذين يقرون بأن القوى التوسعية الكبرى تطمح دائما إلى تثبيت نفوذها وفق هذه الأليات التضليلية.

وفي سياق مُتّصل يرى أمين أنّ هذا “الفيروس الليبرالي” يعيش على قاعدة تسييس الجمهور، ويبذل مجهودا منهجيا لتحقيق هذا الهدف، وقد أنتجت موجة التسييس ـ في تخوم النظام العالمي (ومصر تنتمي إلى هذه المناطق)ـ فراغا احتلته قوى خرجت من وراء الكواليس لتحتل مقدمة المسرح، وتجلت هذه القوى تارة في تيارات تزعم أنها انبعثت من مبادئ دينية أصيلة ( الإسلام السياسي، وكذلك الهندوسية السياسية والبوذبة السياسية.. إلخ) وتارة أخرى كتيارات تزعم أنها قامت على أساس دعوة للعودة إلى الأصل الإثني، وهو ما جرى في يوغسلافيا وما يجري مع الأمازيغ في المغرب العربي.


ما الغاية من توحيد الحركة الشعبية؟


إن سجالات الماضي المكشوفة تمحورت، وفق أمين، حول إدراك مغزى التحدي الذي تواجهه الشعوب في المرحلة الراهنة، وخاصة الشعب المصري، من خلال كشف تعارض طرفيه الناصرية والشيوعية بصفتهما “أخوين/ عدوّين”.

وفي هذا الصدد يقول أمين: “من ناحية قامت الناصرية على فكرة قدوة مشروع برجوازي وطني ـ تديره الدولة وتسانده البرجوازية الوطنية ـ على تحقيق الهدف، أمّا الشيوعيون (أو بعضهم على الأقل ولفترات من التاريخ) فقد قالوا إنّ البرجوازية الوطنية لا تستطيع أن تدفع مثل هذه الحركة إلى الأمام، فهي طبقة ضعيفة ومهترئة تبحث دائما عن التّوافق مع الاستعمار والإقطاعية، ومن ثمّ فإن تحقيق الهدف يفترض إقامة جبهة شعبية واسعة تقودها طليعة يمثّلها حزب شيوعي.

بيد أّن الطرح الحاسم ظل في الواقع ضبابيا ومتحوّلا من فترة لأخرى، حتى تنازل عنه الشيوعيون في خاتمة المطاف، كما أنّ الإسلام في تلك الفترة وعندما كان هذا السجال يحتل مراتب متقدمة، لم يتخذ طابعا سياسيا، وظل وراء الستار. فلم تؤثر القناعات الدينية في المجال السياسي رغم أنّ حدّتها لم تكن أقلّ ممّا هي عليه حاليا”.

من جهة أخرى، يشرح الخبير الاقتصادي أنّ “الحركة الشعبية التي أسقطت مبارك (مظاهرة الـ 15 مليون مصري) ثم التي أطاحت بمرسي (مظاهرة الـ 30 مليون مصري) ظلّت منقسمة ومتشرذمة من داخلها من أول يوم وإلى غاية يومنا هذا.وقد ظلت عاجزة عن إدراك مغزى التّحدي الحقيقي، وعن تحديد أهداف استراتيجية مشتركة تتجاوز تعددية المصالح في الثورة. فظلت من ثمّة فاقدة للوعي المطلوب لصياغة نظرية مشتركة تقف صدا أمام مشاريع الإسلام السياسي، الذراع الطولى لليبرالية العالمية”.

سمير أمين: مقولات الليبرالية لا تسعى إلا إلى تكريس هيمنة القوى المسيطرة عالميا


هل يمكن الجمع بين الوحدة والتعدد؟


في إطار تحليله لمحاولات توحيد التيارات والحركات الشيوعية، يؤكد سمير أمين على أنّ قضية الجمع بين وحدة العمل في النضال وتعددية الأطراف في الحركة تقع في قلب التحدي الذي تواجهه الحركة الثورية المصرية بعد 25 يناير، فـ “يجب أن تكون مواقف وممارسات هؤلاء الذين داخل الحركة مدركة لذلك، وعليهم أن يسعوا إلى تحقيق وحدة العمل وبالتالي تحديد أهداف استراتيجية مرحلية مشتركة مع احترام تعدد الأطراف.

ولذلك فإنّ نجاح الثورة وتحقيق أهدافها، وهي الأهداف التي تميل إليها تلقائيا أغلبية الشعب، وفق رأيه، يفترض “حلا سليما لهذا التناقض، والحل السليم يفترض بدوره الاعتبار الصحيح لكل من طرفي التناقض: الوحدة والتعدّد، فالحلّ الذي ينكر التعدد ويتصور أن قوة واحدة (الحزب الشيوعي أو البرجوازية الوطنية) تستطيع أن تقود وتحقق الهدف، إنما هو حل وهمي، وكذلك الحل المعكوس الذي ينكر الوحدة، فيتصور أن الحركة تستطيع أن تحقق الأهداف دون توحيد، وعلى الرغم من تعددية أطرافها فهو كذلك حل قائم على أوهام”، على حد تعبير سمير أمين. وفي هذا السياق، يوضّح أنّ سلطة الرئيس عبدالفتاح السيسي، اليوم، تعتمد على إنعاش نوع من الحنين إلى “الناصرية” ويستخدم من أجل ذلك وسائل منهجية في تحركات وإشارات توحي بأنه يميل إلى الناصرية ولا أكثر، وفي مواجهة هذه الممارسات تظهر من جديد ردود فعل للجمهور تذكرنا تماما بما حدث أيام الناصرية.

من ثمة يلفت إلى أنّ “مواقف السيسي هذه تمثّل الخيار الوحيد المتاح أمامه، وهو خيار ذكي”، إذ يرى عدد من المراقبين أنه كفيل في ظلّ هذه الفترة الحرجة التي تمرّ بها مصر والمنطقة عموما بأن يثبّت سيادتها الداخلية عبر مراكمتها الذاتية طيلة العقود السابقة وأن يتصدى إلى الخطر الإرهابي المحدق الذي ترفع رايته جماعات الإسلام السياسي، وهو ما دفع، وفق ذات المراقبين، بالكثير من التقدميين والاشتراكيين والشيوعيين إلى مساندة السيسي باعتباره عنصرا طيّبا وقادرا على التطور في سبيل انعاش ناصرية جديدة، لذلك اختاروا مساندته بدل معارضته. علما بأنّ هذا الموقف يذكّر بمواقف مشابهة صدرت عن ذات الجهات خلال سنة 1955 ـ 1957.

6