متى يعتزل المقاتلون السوريون الجهاد

السبت 2015/01/17

يقاتل عشرات آلاف المقاتلين السوريين في صفوف الجماعات المسلحة في سوريا، والتي باتت القوى الجهادية منها متسيدةً أرض المعركة ووسائل الإعلام في آن. جل هؤلاء المقاتلين هم ممن بدؤوا الثورة السورية في العام 2011. كيف تحول هؤلاء من التظاهرات السلمية المطالبة بالديمقراطية، والتي ألهمتها انتفاضات تونس ومصر السلمية أيضاً، إلى العمل المسلح مع فصائل جهادية تجاهر علناً بالعداء لكل قيم الديمقراطية وتبتغي إنشاء دولة دينية تسلطية؟

في الإجابة تبرز أسباب عديدة متشابكة ومتداخلة، من عنف النظام السوري، إلى غياب القوة التنظيمية والوعي السياسي، إلى التدخلات الخارجية، إلى دور المعارضة السورية. ولن ندخل هنا في متاهة الأسباب تلك، حيث جرى علاجها مرارا من قبل. بالمقابل، يبدو من الجيد طرح السؤال التالي: إلى أي درجة ينتمي هؤلاء المقاتلون “المتحولون” إلى التنظيمات الجهادية؟ وما هي شدة التزامهم بعقائدها وإخلاصهم لأهدافها؟ إذ ليس يسيراً، على الإطلاق، أن ينقلب المرء وأن تتحول آلاف مؤلفة من البشر من التزام شديد بالديمقراطية والمظاهر السلمية، إلى موقع سياسي عسكري بعيد جدا عن تلك القيم، ويتصل بتنظيم القاعدة على نحو خاص.

في استبيان جديد أجرته مجلة أميركية، حيث استطلعت آراء 50 مقاتلاً إسلامياً ينتمون إلى جبهة النصرة وإلى حركة أحرار الشام المعروفة بتوجهها السلفي وأحد أوائل الجماعات المسلحة التي أذكت الأيديولوجيا السلفية بين صفوف المقاتلين. وجد الاستبيان، وبشكل مفاجئ إلى حد ما، أن معظم المستطلعين ينظرون إلى الديمقراطية كأفضل وسيلة للحكم، بل ويتطلعون إلى سوريا موحدة. أكثر من ذلك، وجد الاستطلاع أن 94 بالمئة من المستطلعة أراؤهم لا يزالوا يحتفظون بالهدف البدائي الذي خرجوا من أجله، ألا وهو هزيمة نظام بشار الأسد، في مقابل نسبة قليلة جدا وجدت في “إقامة دولة إسلامية” هدفا لها.

بعض المقاتلين الذين قابلتهم المجلة غادروا صفوف الجيش الحر، لا بسبب إيمانهم بمعتقدات القوى الجهادية كما قالوا، وإنما بسبب توفر شروط أفضل للقتال لدى هؤلاء عن تلك المتوفرة لدى الجيش السوري الحر. فيما اشتكى آخرون من فساد قادة الجيش الحر وإهمال الجرحى. وبالطبع، قال بعض المقاتلين أن الالتزام الديني يوفر لهم سلاماً داخلياً، واستقرار روحياً ومعنوياً في حرب شرسة وغير متكافئة يحترقون لوحدهم في نيرانها منذ أربعة أعوام.

وذلك يتعارض بصورة قطعية وواضحة مع الأرضية التي تقوم عليها القوى الجهادية، والتي تدعي أنها نقطة تمايزها. فنسبة كبيرة من الثوار لم ترفد صفوفها بسبب برنامجها السياسي – الديني، بل لدوافع تكتيكية بحتة، وخدمة لبرنامجهم هم: إسقاط النظام.

انطلاقا من ذلك، يمكن فهم دينامية تنامي تلك الجماعات التي تغذيها الحرب المتوحشة غير المكافئة من جهة، والدعم السخي لكل من النظام والقوى الجهادية عبر أطراف مختلفة من جهة أخرى. دينامية سحقت من استطاعت من مقاتلي الجيش الحر وأهليهم ومجتمعاتهم، ودفعت بمن بقي منهم إلى أحضان القوى الجهادية، ظناً منهم أنها المكان المناسب لإسقاط الأسد.

وهنا يمكن أن نستنج أمرين: يقول الأول بأن سقوط الأسد قد يؤدي إلى فرط عقد الجماعات الجهادية. إذ أن ظفر المقاتلين السوريين بهدفهم ربما يجعلهم عاكفين عن متابعة “الجهاد”، كما يود ويرغب قادة تلك الجماعات التي ينتمون إليها.

الأمر الثاني هو أن عدم سقوط الأسد يواصل لعب دور المولد الأكبر للعنصر البشري في صفوف الجماعات الجهادية وعلى رأسها داعش والنصرة. ومن الجدير بالذكر أن نصراً مؤزرا، كما يأمل الرئيس الأميركي ومعه عشرات الدول، لا يمكن، والحالة تلك، أن يتحقق ما لم يجر القضاء على عشرات وربما مئات الآلاف من هؤلاء المقاتلين البسطاء الذين يواصلون القتال من أجل نيل الحرية وفاءً لدماء أهلهم ورفاقهم.

وعليه، يبدو جلياً بأن مساهمة المجتمع الدولي في إطالة عمر النظام كانت تغذي تلك الجماعات. أغلب الظن أن ذلك تم بوعي نسبي، إذ لم يغافل مارد الإسلام الجهادي الجميع ويظهر في سوريا في لحظة مباغتة، بل احتاج ظهوره، أو بالأحرى اكتمال نموه، سنواتٍ عديدة على مرأى من الجميع.

وبالطبع، ما كان لهذا المارد أن يصبح على ما هو عليه اليوم دون بقاء الأسد في الحكم طيلة السنوات الماضية. فما كان رحيل الأسد المبكر، لو حصل، ليخدم الجماعات الجهادية، ولا ليخدم من رغب، ولا يزال، في استمرار حالة الرعب الإقليمي والعالمي من تلك الجماعات. كيف الحال إذن وقد راح ذلك الرعب يتمدد ليجتاح قلب أوروبا، وتحديدا فرنسا وبلجيكا، وقبلها أستراليا وكندا، فحشدت الحكومات شعوبها من حولها، وعادت أميركا لتحلق في أجواء العراق وسوريا، وتعيد تركيب بنية الدولة العراقية التي نخرها السوس الإيراني.

هل هي عودة إلى نظرية المؤامرة؟ ومن قال بأننا قد غادرناها؟ فمن يرغب بالتخلص من القوى الجهادية في سوريا، عليه أن يفتح أفقاً سياسياً لعشرات آلاف المقاتلين السوريين في صفوفها والذين يقاتلون وفاءً لهدفهم الرئيسي وهو إسقاط النظام. لا أن يصب نيرانه على أولئك الأشقياء، بالتزامن مع نيران الأسد التي تحرق السوريين منذ أربعة أعوام.


كاتب فلسطيني سوري

8