متى يعود العراق الوطن؟

الأربعاء 2013/08/14

لم يمر يوم على العراقيين دون دماء وأشلاء بشرية متناثرة، وسيارات ممزقة، ومنازل ومقاه ومدارس وحوانيت محترقة أو مهدمة. فما السبب وما الحلول، وهل بإمكان شخصية أو فئة أو طائفة وقفُ هذا الحريق؟

وللرد على هذه الأسئلة علينا أن نسأل هل العنف الذي يعصف بالعراقيين من عشر سنوات جنون محلي مستقل وناتج عن خلاف السياسيين المحليين ينتهي حين يتوافقون، أم هو إرهاب عربي أو دولي وارد من خارج الحدود لا طاقة لأحد من العراقيين على وقفه؟

ويلقي الجميع تبعة ما يحدث من مجازر يومية في مدن العراق وقراه على عاتق نوري المالكي، وحده، وعلى حزبه وجيوشه المخترقة.

ورغم أنه يتحمل الجزء الأكبر منها، بسبب سياساته الخاطئة وطموحه غير المشروع إلى الانفراد بالسلطة وسعيه المرضي إلى جعل الدولة ملكاً خاصا له ولولده وحاشيته، إلا أن ما يحدث هو مسؤولية شركائه في الائتلاف أيضاً، وشركائه المطرودين من المحاصصة. فلم يكن لعامل خارجي، مهما كان جبروته، أن يقتل ذبابة في قرية عراقية نائية دون متطوعين من الداخل لهم مصالح يحققونها بالقتل، ولكن بأموال الحليف الأجنبي وأدواته وخبراته في تقطيع الرؤوس. وهذه هي المشكلة. وحتى لو أخلص المالكي النية، وقرر التخلي عن سياسة المكابرة مع شركائه في الائتلاف أو خارجه، فلن تتوقف عجلة القتل وتفجير المفخخات.

بعبارة أخرى. إن العنف وظيفة صعبة وخطيرة لا يستطيع القيام بها إلا فاعلون أقوى من الدولة ومن أجهزة أمنها ومخابراتها، لا تملك الحكومة قدرة على اتهامهم، ناهيك عن سوقهم للعدالة. والأكثر إيلاماً أن السلطة ذاتها، في حالات عديدة، تقوم بحملات قتل وتفجير منتقاة، ينفذها مسلحون ملثمون بملابس وسيارات حكومية لا خلاف على هويتها. إنها أزمة قيادة، وأزمة وطنية وشرف. ليس لدينا زعماء، بل صبية يتراشقون بالحجارة والقناني الفارغة. ولا تنجو من هذه الأزمة طائفة أو قومية أو دين.

فحين تتفحص حالة السياسيين الذين يتصدرون الحراك السني هذه الأيام، تجد أن أحدهم يصرخ بمظلومية الطائفة، لكن عينَه على خصم طائفته اللدود حزب الدعوة انتظارا للثمن الذي سوف يعرضه لشراء ولائه، قبل أن يسمح له بالعودة إلى أحضان السلطة.

بالمقابل، لا تقل الطائفة الشيعية العراقية عن الطائفة السنية تمزقا وتشرذما واحترابا على المصالح والكراسي. والعتب كله على أميركا التي التقطت هذه الرمم الفاسدة، وأركبتها على ظهورنا بقوة المال والسلاح.

فأميركا، بمختلف إداراتها، من عام 1990 وإلى يوم الغزو، لم تحترم الشعب العراقي، ولم تمنحه الفرصة لاختيار حكامه المؤهلين اللائقين القادرين على حمل الأمانة بعد رحيل الدكتاتور. بل فعلت ذلك نيابة عن العراقيين، بالتواطؤ مع المخابرات الإيرانية والسورية والسعودية والبريطانية، حين فرضت على المعارضة العراقية سياسيين لا يملكون من السمعة الطيبة والنزاهة والاستقامة شروى نقير، تم اختيارهم على أساس قدرتهم على تحقيق مصالحها العليا المقررة للعراق وللمنطقة، قبل أي ولاء آخر.

لم تهتم بأفكارهم وارتباطاتهم وثقافاتهم الطائفية والعنصرية، ولم تغير تصميمها على تسليمهم رقبة العراق حتى بعد أن كشفت حقيقة الكثيرين منهم، وتأكدت من أن بعضهم ولد ونما وترعرع في أحضان الولي الفقيه.

ألم تدرك، حين قررت أن تفرض هؤلاء حكاماً لدولة كالعراق تتميز بتعدد طوائفها وقومياتها وأديانها، أنها بذلك تجيز لهم أن يجعلوا التآمر والافتراء والاختلاس والاغتيال قواعد ثابتة تقوم عليها الدولة الجديدة، من أجل منافع شخصية وحزبية هابطة، خلافا لوعودها المعلنة السابقة بجعل العراق بؤرة مشعة على المنطقة بالديمقراطية والحرية؟

ألم تتوقع أن يلجؤوا، إلى تعميق العداوة بين الطوائف والقوميات والأديان والمناطق، ويشعلوا في الشارع العراقي حروبا شعبية لا تتوقف ولا تنتهي؟ هل كانت أميركا تريد فعلا نقل العراقيين من جحيم الديكتاتورية إلى نعيم الديمقراطية، لكن السياسيين العراقيين غدروا بها بعد أن وقع الفأس في الرأس؟ إذن لماذا لم تدعم عشرات من الأحزاب والتيارات والشخصيات الوطنية التقدمية المعروفة بالنزاهة والأمانة والشرف؟

ولماذا رفضت الدعوات العديدة لتشكيل حكومة انتقالية مؤقتة مؤلفة من خبراء مستقلين عن الأحزاب، وليبراليين غير متحيزين لفئة أو دين أو طائفة، تتولى إعداد قانون انتخاب عادل ومتوازن، وتشرف على انتخابات نزيهة، وتعمل على توفير الأرضية الصالحة لقبول المواطن العراقي بالوسطية، وتُشيع ثقافة التداول السلمي للسلطة، وترسي الأساس القوي والسليم لنظام ديمقراطي متدرج تتولى ترسيخه أجيال من السياسيين الديمقراطيين الحقيقيين غير المفروضين بقوة السلاح أو المال أو بفتاوى رجال الدين؟

إن ما حدث عام 2003 لا يترك لأحد مجالاً للشك في أن أميركا، بالتواطؤ العفوي أو المقصود مع إيران، أرادت أن تُدخل العراق في نفقه المظلم الحالي، حين اخترعت ما يسمى بـ»مجلس الحكم» الذي أرسى قواعد المحاصصة، وأباح توزيع وظائف الدولة وثرواتها على الموالين والمناصرين، دون اعتبار لكفاءة ووطنية، بل على درجة التفاني في خدمة السيد الزعيم. والأعجب من كل شيء أن نجد من الكتاب والمحللين، من يدافع عن النظام القائم في العراق، ويعتبر ما فيه من عصبية وطائفية وفساد ديمقراطية وحرية، تماماً كما يتغنى المالكي دائماً بالوحدة الوطنية والديمقراطية وهزيمة الإرهاب.

إن الأمل ضعيف في عودة العافية إلى الوطن ما دام هؤلاء على رأس الوليمة. ترى هل يعود الوطن إلى أهله من جديد؟ ومتى يعود؟

9