متى يفتح قيس سعيد ملف إصلاح التعليم في تونس

الرئيس التونسي داعيا إلى إصلاح جذري: أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق البلاد هي ضرب التعليم.
الخميس 2021/08/19
التعليم العمومي يستنزف طاقة التلاميذ دون تحقيق النتائج المأمولة

يسعى الرئيس التونسي قيس سعيد الذي يتمتع بصلاحيات واسعة بعد الإجراءات التي اتخذها في الخامس والعشرين من يوليو الماضي لفتح ملف شائك لم تنجح الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في حلحلته ألا وهو إصلاح التعليم، حيث دعا إلى استئناف العملية متهما أطرافا بارتكاب أكبر جريمة في حق البلاد بضرب المنظومة التربوية.

تونس – اتجه الرئيس التونسي قيس سعيد إلى فتح ملف شائك توارثته الحكومات المتعاقبة في البلاد دون أن تنجح في إدارته ألا وهو إصلاح التعليم، مُسْتبقًا عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي بفتح ورشة إصلاح المنظومة التربوية التي شهدت تراجعا لافتا بعد ثورة الرابع عشر من يناير 2011.

وبعد أن اتخذ في الخامس والعشرين من يوليو الماضي إجراءات استثنائية شملت تجميد أعمال واختصاصات البرلمان وإقالة الحكومة برئاسة هشام المشيشي بات الرئيس سعيد يتمتع بصلاحيات واسعة ما يخول له فتح العديد من الملفات، وهو ما شرع فيه بالفعل على غرار تدشين حملة لمكافحة الفساد وإطلاق العنان للقيام بالإصلاح التربوي.

واستقبل قيس سعيد وزير التربية فتحي السلاوتي حيث قال خلال اللقاء إن من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق تونس ضرب التعليم، داعيا إلى القيام بإصلاح جذري للمنظومة التعليمية وهي من المرات النادرة التي يتطرق فيها الرئيس سعيد إلى هذه العملية بعد توليه الحكم عام 2019.

والمطالبات بإصلاح هذه المنظومة في تونس ليست وليدة اللحظة، لكن هذه العملية تعثرت وظلت تمثل ملفا تتوارثه الحكومات المتعاقبة التي مسكت بزمام الأمور في البلاد وذلك رغم تبني برنامج للإصلاح سنة 2015.

تسييس إصلاح التعليم

فخري السميطي: فشل الإصلاح التربوي سببه الرئيسي تسييس هذا الملف

بالرغم من الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل المعنيين بالشأن التربوي في تونس، على غرار ما اتخذه الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية والمؤتمرات التي عقدت من أجل إصلاح التعليم مثل الحوار الذي تم إجراؤه في 2015، إلا أن عملية الإصلاح لا تزال تراوح مكانها.

ودعا الرئيس سعيد إلى “القيام بإصلاح وطني جذري للتعليم ووضع مناهج التكوين السوي للتلاميذ من أجل بناء تونس الجديدة”.

وقال “التعليم من قطاعات السيادة وسيتمّ إصلاح التعليم إصلاحا وطنيا لأنّ الإصلاحات التي تمّ إدخالها لم تكن بريئة وأهمّ شيء هو التعليم الذي يُحرّر الفكر”.

ومنذ سنوات يدور جدل حول إصلاح التعليم، ولئن شهد النقاش حول هذا الملف زخما من المقترحات -من بينها إلغاء نظام “أمد” الذي يتم اعتماده في التعليم العالي أو المضي قدما في التحديث والرقمنة وتطوير البنية التحتية للمدارس- فإنه في المقابل لم يتم تحقيق أي تقدم في هذا الملف حيث يستمر تراجع جودة التعليم في تونس.

وتراجعت تونس على مستوى مؤشر جودة التعليم للعام 2020، وصنفت في المرتبة السابعة عربيا وفي المرتبة الـ84 عالميا بعد أن كانت في مراتب أفضل لسنوات في جودة التعليم وتصنيف الجامعات، ما يجعل هذا الملف اختبارا جديا للرئيس سعيد وحكومته المقبلة التي لم يكشف بعد النقاب عمّن سيرأسها.

ويُرجع مختصون عدم النجاح في القيام بإصلاح شامل وجذري للتعليم إلى طغيان الصراع السياسي حول هذا الملف من أجل كسب نقاط سياسية لا القيام بإصلاح حقيقي.

ويُرجع متدخلون في هذا الملف عدم النجاح في القيام بإصلاح شامل وجذري للتعليم إلى طغيان الصراع السياسي حول هذا الملف من أجل كسب نقاط سياسية لا القيام بإصلاح حقيقي.

واعتبر عضو جامعة التعليم الثانوي فخري السميطي أن “تسييس ملف الإصلاح التربوي وربطه أساسا بتوجهات الدول المانحة هو السبب الرئيسي لما يحدث من انحرافات عرفتها محاولات الإصلاح وآخرها الحوار الذي انطلق في الثالث والعشرين من أبريل 2015 وانتهى بالفشل نتيجة الرغبة المحمومة في توظيفها سياسيا”.

وأوضح السميطي في تصريح لـ”العرب” أن “الفشل كان أيضا نتيجة حجم الفساد الذي رافق مختلف مراحل التأسيس لعملية الإصلاح التربوي، وخاصة نتيجة محاولة فرض خيارات هجينة على المجتمع التونسي لا تزيد وضع المدرسة إلا سوءا وانحدارا”.

كما تحمل العديد من الأوساط الحكومات المتعاقبة منذ 2011 وعددها تسعة مسؤولية هذا الفشل باعتبار أنها لم تضع عملية الإصلاح ضمن أولوياتها.

وقال السميطي إنه “من المهم التنبيه إلى أن الحكومات المتعاقبة منذ 2011 لم تضع الإصلاح التربوي ضمن أولوياتها لأسباب عديدة لعل أهمها انشغال التونسيين بالمعطى الاقتصادي ما جعل هم السياسيين مداره الوعود الاقتصادية، إضافة إلى أن الملف التربوي ملف استهلاك ويمثل عبئا على حكومات كان همها الآني والحيني مقارنة بالاستراتيجي وبعيد المدى، والنقطة المهمة وجب التنبيه إليها إذ أنه لم يكن من الممكن الاستقرار على توجهات تربوية كبرى أمام حجم التوترات السياسية والتجاذبات التي بلغت حد التنافر والتضاد”.

ناجي جلول: إرادة إصلاح التعليم غائبة وعلى الرئيس سعيد التحلي بالجرأة

وفي مواجهة التعثر في القيام بإصلاح المنظومة التربوية في تونس تتنصل العديد من الأطراف من مسؤولية ذلك وترمي الكرة في ملعب الآخر حيث تُتهم النقابات على سبيل المثال بمحاولة عرقلة عملية الإصلاح للحفاظ على مصالح رجال التعليم المنضوين تحتها وذلك بالإبقاء على الدروس الخصوصية أو بمحاولة عرقلتها عبر الإضرابات المتواترة التي تقوم بها، وهو ما تنفيه المنظمات النقابية.

وقال وزير التربية السابق ناجي جلول إن “إصلاح المجتمع التونسي واقتصاده يمر بالضرورة بإصلاح التعليم، لكن هذه العملية تستوجب خوض معركة حقيقية لأن الإرادة لدى مختلف الأطراف غائبة، ولا أحد يعترض على إصلاح التعليم أو الخوض في ذلك”.

وأوضح جلول في تصريح لـ”العرب” أن “هناك العديد من الأطراف ليست مقتنعة بإصلاح التعليم مثل الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية في تونس)، وهناك أيضا منظومة اقتصادية كاملة لا يخدمها إصلاح التعليم، ثم إن العملية تبقى رهينة القيام بإصلاح سياسي، لا يمكن التقدم في أي مجال قبل القيام بمراجعات في المجال السياسي”.

ولفت إلى أن “نقابات التعليم فيها الكثير من الفساد وهي يساعدها بقاء الوضع على حاله لأنها باتت تتحكم في عملية تعيين المشرفين على المدارس وغير ذلك من الأمور دون أية معايير، المنظومة التربوية أصبحت متخلفة بسبب ذلك”. 

لكن النقابات في تونس تنفي عملها على عرقلة عملية الإصلاح حيث يقول فخري السميطي، وهو مسؤول في جامعة التعليم الثانوي، عن هذا الملف إن “النقابات كانت على امتداد المسار التربوي ضميره الذي ينبه إلى الانحرافات فيه”، مشيرا إلى أنه “بالعودة إلى مختلف مطالب الطرف الاجتماعي كانت السياسات التربوية المشغل المهم ولعل المتمعن يلحظ أن سبب فشل الإصلاحات السابقة هو تهميش النقابات التي تريد التأسيس لإصلاح وطني وشعبي غير مسقط من أي طرف”.

وأضاف “أما الحديث عن تأثير الإضرابات فوجب التنبيه فيه إلى أمرين، الأول أن المطالب التي نُفذت من أجلها كان الوضع التربوي جزءا مهما منها من مختلف الجوانب، أما الأمر الثاني فيتمثل في أن تردي الوضع المهني والمادي للمربين نتيجة سياسات التهميش والتفقير أثر سلبا على المنظومة”.

Thumbnail

دعم المدرسين

رغم أنه خاض صراعا مريرا مع النقابات التي اتهمته بإهانة المدرسين خلال فترة توليه وزارة التربية إبان حكم الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، إلا أن ناجي جلول يرى أن أهم نقطة على المعنيين بإصلاح التعليم تركيز جهودهم عليها هي “تسوية وضعية المدرسين”.

المطالبات بإصلاح التعليم ليست وليدة اللحظة، لكن العملية ظلت تمثل ملفا توارثته الحكومات رغم تبني برنامج للإصلاح سنة 2015

ويقول جلول “عندما كنت وزيرا ضاعفت أجور المدرسين، لكن ذلك كان إجراءً ظرفيا، على الوزارة أن تعمل على تسوية وضعياتهم الاجتماعية، لم لا منحهم منازل ومضاعفة أجورهم حتى لا يلجأ هؤلاء إلى الدروس الخصوصية؟”.

وأردف أن “إحدى أهم مشكلات التعليم في تونس اليوم هي الدروس الخصوصية، المنظومات التعليمية الراقية لا توجد فيها دروس خصوصية، إنها تمثل أحد أمراض التعليم، ثم لا بد من العمل على تحسين عملية تكوين المدرسين”.

وترى الأوساط المعنية بالملف التربوي في تونس أن التدريس بات ملاذ من لا يجد فرصة عمل، لذلك صارت عملية تكوين المدرسين لا تستجيب لأية معايير.

وقال جلول إنه “في السابق كانت هناك مدارس ترشيح المعلمين والأساتذة التي تقوم بتكوين ثلة من المدرسين، وعندما حاولنا إعادتها تفجر غضب واسع لدى الأساتذة والمعلمين، إنه من ضروري تحسين عملية تكوين المدرسين”.

خوصصة التعليم

قيس سعيد يؤكد أنه سيتم إصلاح التعليم إصلاحا وطنيا لأن الإصلاحات التي تم إدخالها لم تكن بريئة، ويشدد على أن أهم شيء هو وضع تعليم يحرّر الفكر
قيس سعيد يؤكد أنه سيتم إصلاح التعليم إصلاحا وطنيا لأن الإصلاحات التي تم إدخالها لم تكن بريئة، ويشدد على أن أهم شيء هو وضع تعليم يحرّر الفكر

في ظل اقتصار عملية إصلاح التعليم العمومي على الشعارات لدى أغلب الحكومات المتعاقبة بات التعليم الخاص ملاذ العديد من العائلات التي تشهد تمددا للمدارس والمعاهد والجامعات الخاصة ولم يقتصر على المدن الكبرى بل أصبح واقعا حتى في الجهات الداخلية النائية.

وازدهر بذلك قطاع التعليم الخاص حيث تُشير إحصائيات نُشرت في العام 2018 إلى أن عدد المدارس الخاصة ارتفع إلى 650 مدرسة تحتضن أكثر من 50 ألف تلميذ في المدارس الثانوية فقط.

وسلط تفشي فايروس كورونا المستجد الضوء على الفوارق بين القطاعين حتى على مستوى التدابير المتخذة من قبل القائمين عليهما.

ويحذّر ناجي جلول من التعليم الخاص قائلا “يجب التخلي نهائيا عن التعليم الخاص، هناك فوضى عارمة فيه وهو يعد أحد أمراض التعليم في تونس”.

وشدد على أن “الرئيس سعيد عليه أن يتحلى بالجرأة في مواجهة هذا الملف، سيفجر الكثير من الخلافات والصراعات لكن إذا كانت فعلا لدينا إرادة للخروج بالبلاد من أزمتها فإنه يتعين علينا معالجة أزمة التعليم، أمراض المجتمع التونسي ناجمة مباشرة عن أزمة التعليم”.

13