متى يُفصل المقال في مسألة الشريعة

ما موضع الإفتاء في بنية “دولة مواطنة” لم تعد دارا للإسلام، ولكنها كيان يتساوى مواطنوه في الحقوق والواجبات، فلا يدفع فريق الجزية لآخر ليقوم بالدفاع عنه؟
الأربعاء 2018/07/25
شعارات هلامية

لم يكن لمصطلح الشريعة، في صباي المبكر، حين قرأت كتاب الشيخ عبداللطيف مشتهري”شريعة الله في الصوم والصلاة”، معنى غير أنه أحكام في فقه العبادات، حنوّ يأخذ بأيدينا إلى حدائق السلام النفسي في علاقته بالرحمن ذي الجلال.

وفي ما بعد ستكون لكلمة “الشريعة”، دلالات أخرى عنيفة، ألغام ومواد قابلة للانفجار وإشعال الحرائق، وتختفي الحدود بين الدلالات، فلا تعرف هل الشريعة هي أحكام الفقه، أم عقوبات يربط البعض بين تطبيقها وعودة الإسلام للسيطرة على العالم.

وبالبحث في غوغل وجدت تكرار كلمة الشريعة 27.1 مليون مرة، في مقابل 23.1 مليون مرة لكلمة الصيام، أما كلمة الزكاة فكان نصيبها 17.4 مليون مرة، وبهذا قفزت “الشريعة” إلى موقع أكثر طلبا للبحث، وأهمية من أركان الإسلام وهي خمسة معروفة، أما الشريعة فلا تزال مسألة غامضة، ويخشى الكثيرون حسمها، فيقتربون من حدود حاكمية سيد قطب، ثم يخافون ويتراجعون، لكي يعاودوا الاقتراب، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

سيد قطب حسم قضيته بخطاب خال من الالتباس. في كتابه “المستقبل لهذا الدين” انتقد ما يسميه “الفصام النكد” بين الإنسان والحداثة. وفي كتابه الأشهر “معالم في الطريق” مغالاة، ومزايدة على حكمة الله الذي خلق الناس شعوبا وقبائل، “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم”، ولكنه قال إن حماية دار الإسلام حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج.

ولكنها ليست الهدف النهائي. وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته. فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير!”.

وعلامة التعجب في الأصل القطبي الذي لا يترك مجالا للتأويل، ويدعو إلى الخلاص من الجاهلية؛ إذ “نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية.. تصورات الناس وعقائدهم. عاداتهم وتقاليدهم. موارد ثقافتهم. فنونهم وآدابهم. شرائعهم وقوانينهم”.

وفي حين تتم شيطنة قطب وتنظيم الإخوان على ألسنة رجال الأزهر، يمرّ أو يُمرّر خطاب ديني رسمي غائم، يصب في هذا المجرى، وإن تفادى كلمات خشنة، كالجاهلية والحاكمية والتكفير، فلا يبتعد كثيرا عن “حاكمية” سيد قطب الذي أنذرنا بأن “الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”.

 وأعترف بخطئي، لأنني لم أعد مهتما بقراءة كتابات ذوي المناصب الرسمية، ومنهم مفتي مصر ووزير الأوقاف، لخلوّ كتاباتهم من الجمال، وهي خطابة وإعادة إنتاج تراث تغييبي، حتى فقدت الأمل في قدرتهم على التجديد.

وحين يشغلني أمر أراجع تراث الأئمة الثقات، بداية من الإمام أبي حنيفة، وألتمس روحا عصرية لا يخطئها قارئ الإمام محمد عبده. ولهذا السبب لم أتابع عمود مفتي مصر شوقي علام، في صحيفة الأهرام، ثم انتبهت يوم الجمعة 13 يوليو 2018، إلى أن العنوان العام للعمود هو “تطبيق الشريعة الإسلامية”، أما العنوان المتغير وفقا لموضوع كل مقال، فهو “الإفتاء ودوره في تطبيق الشريعة (9)”، وهذا الرقم يعني أن ثمانية مقالات فاتتني، وأن كلامي سيقتصر على المقال التاسع.

 مقال المفتي قصير، وتتكرر فيه كلمة الشريعة ومشتقاتها ست مرات. ورغم الإلحاح على المصطلح بحمولاته، فإن ثلاثة أسئلة تطرح نفسها عقب الانتهاء من القراءة: هل نعيش وفقا للشريعة، أم ننتظر تطبيقها؟ وهل الشريعة تعني العقوبات أم السياق الذي رآه سيد قطب “جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم”؟ وما موضع الإفتاء في بنية “دولة مواطنة” لم تعد دارا للإسلام، ولكنها كيان يتساوى مواطنوه في الحقوق والواجبات، فلا يدفع فريق الجزية لآخر ليقوم بالدفاع عنه؟

لا ذكر لكلمتي الوطن والمواطن في مقال يجعل “وظيفة الإفتاء من الفرائض الدينية ومن أهم مصالح المسلمين الداخلة في تكوين نظام الدولة.. ونجد في تجارب المسلمين المعاصرة في بناء دولهم بطريقة عصرية الاستفادة بقوة من وظيفة الإفتاء في قضية تطبيق الشريعة.. بهدف ضبط حركة المجتمع أفرادا ومؤسسات وفق أحكام الشرع”، ويتكامل “الإفتاء الشرعي.. مع المحاكم الجنائية حيث تحيل قضايا الإعدام وجوبا إلى المفتي”. وهنا يجب طرح سؤال إنساني عن أهلية شيخ، لم يدرس القانون، للتصديق على حكم بإعدام مواطن من خلال “أوراق” تحال إليه، مجرد أوراق، ولا يملك حق إعادة التحقيق.

 كأن الشيخ محمد عبده يسمعني، ويجيبني بأول فتاواه بعد توليه منصب مفتي الديار المصرية، في 3 يونيو1899. ففي 7 يونيو1899 أرسلت إليه محكمة الاستئناف الأهلية 75 ورقة تتضمن اتهام محمد علي حميد بقتل عبدالوارث السيد، عمدا مع سبق الإصرار. وحددت المحكمة جلسة الخميس 15 يونيو1899 لصدور الحكم. وتجري العادة بتصديق المفتي على أحكام الإعدام؛ لأن رأيه استشاري، ولكن الأستاذ الإمام أجاب المحكمة، بعد أربعة أيام، بأنه اطلع على قضية المتهم “فوجدنا عليه كثيرا من القرائن التي تدل على ارتكابه جريمة القتل، لكنها مع كثرتها لا تكفي الحكم عليه بعقوبة الإعدام، لأن اليقين لا يبلغ بها إلى الحد الذي يسوّغ الحكم بعقوبة لا يمكن تدارك الخطأ فيها لو ظهر بعد ذلك بسبب ما من الأسباب، خصوصا ودلائل سبق الإصرار غير متوفرة، لجواز أن يكون خاطر الجناية ورد بذهن القاتل عند امتناع المقتول عن إعطائه النقود التي طلبها منه، ولا يسهل القطع بأنه كان عازما على قتله عند الامتناع”.

تجاوزت المساحة المحددة، وبقيت أسئلة تخص المسؤولية الأخلاقية عن تحديد معنى الشريعة وعلاقتها بالحاكمية، والتقليد والتجديد، وتعارض العقل والنقل. وفي هذه القضايا قدّم الإمام محمد عبده اجتهادات قابلة للتحدي والتجدد، ولا تسر المتشددين.

13