متى يُهشّم إعلام الخرافات

الأربعاء 2014/04/30

يتراجع الإعلام العربي، إما بممارسة الصمت المطبق وإما بعدم السماح لأي رأي عندما يصل الأمر إلى ما يطلق عليه بـ”المقدس غير الإلهي”! وهذا الوصف بقي على قمته فيما انزاح إلى مسافات واطئة مما كان يصنف جواره “الجنسي والسياسي”، بعدما انتهت أسطورة التلقين الصحفي التي كان يمارسها إعلاميو القلم والمسجل، ودخل “المواطن الصحفي” بجهازه الذكي كأسرع مصدر إخباري.

لا أحد يمس المقدس، وهذه الكلمة توسعت في الفضاء الإعلامي مع انتقال تقاليد المسجد إلى الدولة، فصار من يحكم رجل الدين، حتى وإن كان من خلف الستار، يمكن هنا أن ندرج أمثلة على رجال دين ببدلة الأفندية في حكوماتنا العربية، فلم تعد مثل هذه الصورة معيبة في اللحظات الشاذة من الزمن السياسي العربي.

“السياسيون الكبار هم كذابون كبار” فلماذا يراد لرجال الدين تلبّس هذا الدور؟ ولماذا يفرض على الإعلام اعتبار الخميني والقرضاوي والكبيسي والسيستاني والخامنئي والدليمي والشعراوي والسامرائي وابن باز، أنصاف آلهة لا يسمح للإعلام مناقشة فتاوى الهراء التي تنطلق من حوزاتهم ومساجدهم، مع أن بعضهم في فتاويه أشبه بمستشار جنسي لمجلة “بلاي بوي” من القرون الوسطى.

سأعرض هنا مثالا أرى أن الإعلام العربي بحاجة إليه في زمن “سياسي ديني” بامتياز، مع أننا لم نحصل إلى اليوم على تعريف واضح لعلاقة المسجد بالدولة، ومن يحكم من؟.

فقد حظي خبر إعلان البابا فرنسيس رفع اثنين من الباباوات السابقين هما البابا يوحنا الثالث والعشرون والبابا يوحنا بولس الثاني إلى مصاف القديسين في حضور مئات الألوف الذين جاءوا من مختلف أنحاء العالم إلى الفاتيكان، يوم الأحد الماضي، باهتمام إعلامي مثير في الصحافة الغربية.

إلا أن صحفيا وكاتبا مثل سيمون جنكينز علّق على الخبر بحرية، من دون أن يخشى أن تطارده الميليشيات أو تحرق منزله كما يحدث في العراق اليوم، أو أن يخرج معمم للمطالبة بمقاضاته بتهمة التجديف ومس المقدس كما يحدث في إيران والسعودية.

جنكينز الحاصل على وسام تقدير في مجال الصحافة ويكتب مقالين أسبوعيا في صحيفتي “الغارديان” و”ايفينيغ ستاندر”، وصف انغماس وسائل الإعلام في احتفال رفع اثنين من الباباوات إلى مرتبة القديسين بأنه هراء من القرون الوسطى لا أكثر.

وشكك في مقاله بصحيفة الغارديان، من دون أن يمسه الخوف أو الاعتقاد بأن الرقيب يقف على رأسه، بأصحاب المعجزات، لأن ثمة حاجة لمن يقوم بالتحقيق في أمرهم والبحث عن “فضائلهم الخارقة” لإثبات قيامهم بمعجزة.

ويقول “منذ أن كانت المعجزة هي تصرف إلهي يأتي ردا على صلاة الإنسان، فإنه يجب ألا يكون لها تفسير من الناحية الطبية، وأن تحيّر الأطباء المعنيين بالأمر. والشهداء فقط هم من لا يحتاجون إلى الإتيان بمعجزة حتى يتم رسامتهم قديسين”.

وطالب أن يؤدي هذا التطويب ويليه التقديس، إذا “ثبت علميا”، إلى معجزة تتحقق في غضون خمس سنوات من وفاة المطوب! وأن ينظر للأمر مجرد إجراء يعني الفاتيكان، كي لا يحجم العقل وتعود الحضارة إلى الوراء لأن فرض الغيبيات في وسائل الإعلام وكأنها حقائق يمثل مصدر خطر على الملايين.

ويمكن لنا أن نضع قائمة بإعلام عربي وفارسي يروج لمعجزات وخرافة دينية على مدار اليوم، وينقاد له الملايين بقبول متخلف لثقافة القطيع السائدة، لكننا سنجد الأصوات العربية خائفة من تناول هذه الخرافة كما فعل سيمون جنكينز بمس المقدس المسيحي في أشهر صحيفة بريطانية.

لن يحمى الإعلامي العربي مثلما تتوفر الحماية لجنكينز مثلا، لكن مجرد الخضوع إلى الخطاب المتخلف الغيبي والاكتفاء بمشاهدة الجموع الخاضعة له، وإسهام وسائل إعلام عربية في شيوع مثل هذا الخطاب، هو عودة إلى قرون الظلام في زمن تتسابق فيه الحضارات.

18