مثالية حرية الصحافة في أوروبا نظرية يشوبها التشكيك والانتقاد

لم تستطع دول الاتحاد الأوروبي إثبات قدرتها الفعلية على حماية حرية الصحافة والصحفيين بالشكل الذي تدعيه، بعد رصد العديد من التحديات والإشكاليات التي تشوب التزامها بالاتفاقيات المشتركة في هذا الشأن.
الجمعة 2015/10/02
عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية يكون سلوك الاتحاد الأوروبي متناقضا حول الحريات الصحفية

نيويورك - انتقدت لجنة حماية الصحفيين الدولية نموذج حرية الصحافة لدى الاتحاد الأوروبي والذي تعتبره مثاليا، في حين أن تحديات كبيرة مهمة تهدد هذه الحرية.

وطالبت اللجنة الاتحاد الأوروبي بالعمل سريعا على وضع آلية لسيادة القانون بحيث تكون واضحة وموضوعية وقابلة للتطبيق قانونيا، وذلك بالتشاور مع جهات عديدة صاحبة مصلحة، بغية مساءلة الدول الأعضاء بشأن الوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقيات الاتحاد الأوروبي.

وجاءت هذه المطالب بعد الأخذ في الاعتبار، العديد من القوانين الجنائية الخاصة بتشويه السمعة والتطاول على المقدسات، والتي لها تأثير مخيف على الصحافة، لا تزال سارية في العديد من الدول الأعضاء بالاتحاد؛ كما أن المراقبة واسعة النطاق تهدد سرية مصادر الصحفيين؛ ولا تزال إمكانية الوصول إلى المعلومات محدودة.

وأدت إجراءات مكافحة الإرهاب إلى تطبيق تشريعات وممارسات تحد من حقوق الصحفيين وقدرتهم على مزاولة عملهم. وعلى الرغم من ندرة اللجوء إلى العنف ضد الصحفيين، إلا أنهم استُهدفوا من قبل منظمات إجرامية في إيطاليا وبلغاريا واستقوت عليهم الشرطة في أسبانيا وتعرضوا للقتل على يد متطرفين دينيين في فرنسا.

وأوضحت اللجنة، أن تأثير إخفاق الاتحاد الأوروبي في التصدي لهذه التحديات لا يقتصر على الصحفيين داخل الدول الأعضاء فقط، بل يضعف أيضا من قدرة الاتحاد على الدفاع عن حرية الصحافة خارج حدوده لكونه يزوّد الدول المستبدة بالحجج الجاهزة التي تبرر السياسات القمعية لتلك الدول.

وتساءل مدير منظمة العفو الدولية في بلجيكا فيليبي هينزمانز قائلا “كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يأمل في إقناع الحكومات الأخرى، من تركيا إلى الصين، بتحسين سجلها فيما يتعلق بحرية الصحافة إذا كان هو نفسه مقصرا؟”.

وقال صحفيون ومؤيدون لحرية الصحافة، إن أولويات الاتحاد الأوروبي يجب أن تركز على ضمان التزام الدول الأعضاء بميثاق الحقوق الأساسية الذي ينص على القيم والمعايير التي يجب على سياسات الاتحاد أن تلتزم بها.

كاتي بيري: ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يشدد أكثر على سيادة القانون والحريات

وعبّرت اللجنة في تقرير نشرته هذا الأسبوع على موقعها، عن مخاوف المدافعين عن حرية الصحافة، وألقت الضوء على أمثلة أخفق فيها الاتحاد الأوروبي، من خلال عدم مساءلته للدول الأعضاء، في الدفاع عن حرية الصحافة على نحو قوي وثابت.

من ناحية أخرى، تؤثّر سلطة الاتحاد الأوروبي على إصدار توجيهات بشأن البث الإعلامي الحكومي، مثلا، أو الأجندة الرقمية أو الأسرار التجارية، أو قرارات إطارية بشأن العنصرية أو إرهاب الأجانب، تأثيرا مباشرا على الصحفيين كونها تحدد الظروف التي يعملون في ظلها.

وعلى الرغم من أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تُنتج كما هائلا من المعلومات وتمتلك آليات متطورة للاتصالات، إلا أن هذه المؤسسات لا تُعد نموذجا في الشفافية.

وذكر مدير شبكة الصحافة الأخلاقية إيدان وايت، أنه على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي “أقل انغلاقا عمّا كان عليه قبل 20 سنة”، إلا أن إمكانية وصول الصحفيين إلى الوثائق والاجتماعات المهمة، بما يسمح لهم بممارسة دورهم كمراقبين، مقيّدة على نحو غير ملائم.

وقال مراسل صحيفة “لوموند” جان-بيير ستروبانتس متذمّرا “عندما تطلب معلومات أو وثائق قد تتناقض مع الخطاب الرسمي، توصد البوابات ولا تحصل على مساعدة حقيقية من المتحدثين الرسميين”.

كذلك يُعتبر مستوى الحماية والدعم المتوفرين للمبلغين عن المخالفات ضعيفا؛ إذ لم تطبق سوى مؤسستين من مؤسسات الاتحاد الأوروبي التسع القوانين الداخلية اللازم تطبيقها فيما يخص المبلغين عن المخالفات. علاوة على ذلك، فإن تعدد السياسات في هذا الشأن بين الدول الأعضاء يعرقل جهود الاتحاد على هذا الصعيد. وعندما يتعلق الأمر بالتفاوض مع الدول المتوقع انضمامها لعضوية الاتحاد الأوروبي، يبدو أن الاتحاد يجعل من حرية الصحافة أمرا لازما.

وذكرت كاتي بيري، وهي المقررة الخاصة لشؤون تركيا في البرلمان الأوروبي، “لقد تعلمنا من عمليات انضمام سابقة للدول أنه ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يشدد أكثر على سيادة القانون والحريات”. إذ يتمتع الاتحاد خلال مرحلة التفاوض تلك بأكبر تأثير ممكن، ويكون بوسعه طلب إجراء تغييرات جوهرية في قوانين البلد المرشح للعضوية وقانونه للعقوبات، على سبيل المثال. ومن شأن مثل هذا التأثير أن يوفر دعما حاسما للصحفيين الذين يكافحون للعمل في أجواء قمعية، كما في تركيا وصربيا.

ولا يُنظر إلى حرية الصحافة خلال هذه المفاوضات على أنها قيمة بحد ذاتها وحسب، بل أيضا كعامل تمكين لبلوغ أهداف أخرى حاسمة بالنسبة إلى استدامة البلد المعني كعضو مستقبلي في الاتحاد، وذلك من قبيل مكافحة الفساد أو تعديل القوانين القمعية. ومع ذلك يظل الخطر ماثلا بأن يعمد الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف إلى تنحية حرية الصحافة جانبا باسم المنفعة السياسية أو المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.

وقال ناشطون في مجال حرية الصحافة وحقوق الإنسان إنه عندما يتعلق الأمر بالدبلوماسية في البلدان القمعية التي تمثل شريكا تجاريا أو حليفا استراتيجيا مهما، يكون سلوك الاتحاد الأوروبي متناقضا. فعلى سبيل المثال، قال الاتحاد الأوروبي إنه يعتزم إقامة علاقة اقتصادية وسياسة أقوى مع أذربيجان، في حين وجدت لجنة حماية الصحفيين أن هذا البلد الذي يُعتبر مزودا مهما للطاقة، يحتل موقعا في صدارة البلدان التي تلقي بالصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان في السجون.

18